الثقافي

تجربة حياة

فايل المطاعني

ليست كل اللقاءات تبدأ من دعوة أو موعد، فبعضها يُنسج من صُدف الطريق…

وهناك على مقاعد الحافلة، حيث الصحراء ترسم لوحة بلون الغبار، تنبت الحكايات مثل زهرٍ بريّ لا يستأذن أحدًا في الظهور.

في صباحٍ عادي، التقيتُ شابًا سودانيًا، بدا أن بيني وبينه ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، رغم اختلاف الأعمار والمفاهيم… وهكذا بدأت دردشة عابرة، تحوّلت إلى رحلة تأمل في الفن والحنين والوطن.

دردشة فنية

في إحدى رحلاتي نحو أعماق الصحراء العُمانية، حيث تشتد الرمال وتخفت الأحاديث، صادفت شابًا سودانيًا في مقتبل العمر. استقلّ الحافلة نفسها التي كنت فيها، كلاّنا متجهان نحو حقول النفط، ذلك الذهب الأسود الذي تدين له عُمان ببعض نهضتها الحديثة، وإن اختلفت شركاتنا.

كان التعب باديًا عليه، علمت لاحقًا أنه جاء مباشرة من المطار، ولم يأخذ حتى قسطًا من الراحة، بل أسرع للحاق بالحافلة الأخيرة. جلسنا جنبًا إلى جنب، وتبادلنا أطراف الحديث لنهزم صمت الطريق الطويل.

سألته عن السودان، فقد مضى لي عشرون عامًا لم أزره، وغالبًا ما تتغير الأوطان كأنها أشخاص يبدّلون وجوههم وأصواتهم. بحتُ له بشوقي لما تبقّى من ملامح السودان الجميل، لكنه لم يجب، بل كان غارقًا في الاستماع لأغنيةٍ سودانية عبر سماعة أذنه.

ناديتُه عاليًا: “يا محمد!”

رفع رأسه معتذرًا، وقال بخجل: “هل كنت تناديني؟”

أجبته مبتسمًا: “أنا فايل.”

فقال وقد ارتبك: “معذرةً، لم أكن منتبهًا.”

عدت إلى سؤالي: “كيف هو السودان ؟”

ضحك وقال: “دعك من السياسة، فأنت أدرى بها منّي، لكن هل سمعت عن المغنية التي أُهديت لها سيارة فخمة من أحد المعجبين؟”

دهشتُ: “سيارة؟! هل هي مشهورة إلى هذه الدرجة؟”

ضحك وقال: “يبدو أنك لست من متابعي فن (القونات)!”

توقفت الكلمة في أذني، لم أفهمها… فسألته باستغراب: “ما معنى (القونات)؟”

قال: “هؤلاء هنّ نجمات الغناء الشعبي الجديد في السودان.”

أجبته بهدوء: “أعتذر، توقفت متابعتي للفن منذ زمن. آخر حفلة حضرتها كانت للفنان صلاح بن البادية.”

ولم أرَ منه أي تفاعل مع هذا الاسم العظيم، بل تجاوز الحديث كأن لا شيء قيل.

ثم أخبرني أن إحدى “القونات” تبرّعت بأجر حفلتها لدعم الشباب.

قلت في نفسي: أنا أتحدث عن هرم من أهرام الفن السوداني، وهو يحدثني عن موجة عابرة!

فانفجرت قائلاً: “هل تعرف صلاح بن البادية؟”

فأجابني ببرود: “والله لو كان سوداني، يمكن كنت عرفته!”

حينها شعرت بغصّة…

أدركتُ أن جيلاً كاملاً قد لا يعرف من تراث بلده إلا أضواء التواصل الاجتماعي.

عدتُ إلى مقعدي، وأغمضتُ عيني، وأخذتُ أتمتم:

“سال من شعرها الذهبُ

فتدلّى وما انسكب…”

كلمات الشاعر أبو آمنة حامد…

تنهيدة، ثم صمت.

تمرّ الأجيال، ويتبدّل الذوق، ويصعد نجم ويأفل آخر… لكن تبقى للفن الحقيقي ذاكرة لا تموت.

ليس الفن ضجيجًا ولا عدد مشاهدات، بل أثرٌ عميق يبقى حين يهدأ كل شيء.

وحين يضيع اسم “صلاح بن البادية” بين صخب “القونات”، ندرك أن الذاكرة الثقافية ليست فقط مسؤولية فنان، بل مسؤولية أمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى