الثقافي

بين وهج الإيمان وتراجيديا البحر والصبر والإقدام

زاهر بن سيف المسكري

في شرق إفريقيا، حيث تتقاطع الأزمنة ويعانق الموج رائحة القرنفل، وقفت قلعةٌ ضخمة على ساحل ممباسا — قلعة يسوع — ترمز لقرنٍ من الهيمنة البرتغالية، والقهر، والدم المسفوك.

كانت جدرانها من الحجر المرجاني الأبيض، لكنها مشبعةٌ بدماء الأفارقة والعرب الذين استُعبدوا وجُرّدوا من أرضهم وكرامتهم. هناك بدأت تراجيديا التاريخ التي ستنتهي على يد رجال من عُمان، حملوا في صدورهم نور الإيمان، وفي سواعدهم بأس البحر والصحراء.

في القرن السابع عشر، كانت عُمان قد استعادت أنفاسها بعد عقودٍ من مقاومة البرتغاليين في مسقط وصحار.

وفي عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي (المعروف بـ”قيد الأرض”)، ارتفعت رايات المجد البحري من جديد. لم يكن الإمام يرى البحر مجرد طريق تجارة، بل ميدان رسالة، يحمل فيها الإسلام والعدالة والعمران.

حين بلغ مسقط نداء الاستغاثة من سواحل إفريقيا الشرقية، جاء من شيوخ ممباسا ومقديشو وكيلوا ولامو — يصفون ما حلّ بهم من ظلم البرتغاليين تماماً كما حدث في قريات وطيوي وصحار وجلفار من قطع للأذنين أو الأنف أو الأطراف بدأً من سنة ١٥٠٧ ميلادية . وفي الهند وسرق إفريقيا جعلوا من أحرار الناس عبيدًا في أرضهم، يبيعون أبناءهم ويستحلون نساءهم.

تأثر الإمام، وجمع أهل الحل والعقد، وأعلنها صريحة: “لن ينام في بحر الإسلام مستضعف، والظلمُ يطلّ من قلاع يسوع.”

الإبحار إلى المجهول…

انطلقت الأساطيل العُمانية من مسقط الهيبة والإقدام وصحار المتربصة وصور العفية ومرباط الزاد والكرم وودام الزاد والإبحار وسلوى الحد والذكرى والحسا والقطيف باحات الرباط والسماحة .

كانت السفن تحمل الرجال والزاد والذخيرة، لكن قبل كل شيء كانت تحمل الإيمان والعقيدة.

في كل فجرٍ يُرفع الأذان على ظهر السفن، والبحّارة يصلّون جماعة، ثم ينشدون: “الله أكبر… نحمل النور في الموج، ونكسر الصليب الذي على القلعة.”

كان الهدف واضحًا: تطويق قلعة يسوع وقطع شريانها البحري.

دامت الرحلة أسابيع طويلة، تواجه الرياح والتيارات والمطر، حتى ظهرت ممباسا في الأفق كعروسٍ أسيرة تنتظر الفداء.

الحصار العظيم (33 شهرًا من الصبر والمجد)…

حين وصل العُمانيون، نصبوا معسكراتهم حول القلعة، في نظامٍ محكم.

نُصبت المدافع على التلال، وقُطعت الإمدادات البرية والبحرية وإتخذوا المخيمات لتكون مرابط الرجال …

أما من داخل القلعة، كان البرتغاليون يظنون أن بأسهم المتغطرس شديد، لكن الجوع أقسى من الحديد.

بدأت المؤن تنفد، وانتشرت المجاعة، حتى أكلوا الفئران والصراصير والجلود والعقارب.

تقول المذكرات البرتغالية في يوميات “كابتن دي فيرييرا” (القرن 17): “لم نعد نفرّق بين لحم الإنسان والبهيمة، إنما الجوع أعمى العيون وجعل الموت صديقًا.”

وفي المقابل، كان العُمانيون يقيمون الصلاة جماعة، ويتناوبون الحراسة والعبادة.

حتى أطفال ممباسا الأفارقة يرسلون إليهم الماء والغذاء سرًا من بين الصخور، كأن الأرض كلها تساند المظلوم.

لم يكن القتال في ممباسا حربًا استعمارية مضادة، بل حركة تحرير روحانية.

العُمانيون رأوا في معركة القلعة استعادة لكرامة الإنسان، لا لمجرد الأرض.

ارتبط المجتمع الإفريقي بالعُمانيين برابطة الدين والمصاهرة والتجارة منذ قرون إمتدت منذ أن عُرف الإبحار بل منذ أن كانت كولورادو في أمريكا الآن وصلها العُمانيون عبر زنحبار موثقين ذلك بالكتابات المسمارية في الصخور والجبال، فكان الحصار استمرارًا لعلاقة الدم والرحم لا مجرد تحالف عابر.

ومنذ ذلك الحين، وُلد في زنجبار وممباسا وساحل كينيا من جديد جسرُ من زمن قديم مزج العروبة بالإفريقية، والقرآن بالتاريخ، والبحر بالنخيل إمتداداً لما عبر القرون فالعمانيون أينما أحلوا وحطوا الرحال وجدت هناك نسائم الأخلاق والأدب والتعامل التي تهوي إليها قلوب الناس .

الاقتصاد والمحيط: السيطرة من الرحمة لا من الطمع…

بسطت عُمان سيطرتها على البحر الشرقي، من رأس الحد إلى مقديشو، ولكنها لم تكن سيطرة استعمار، بل إدارةٍ عادلة.

توقفت تجارة العبيد في ممباسا تدريجيًا، وازدهرت تجارة القرنفل والعاج والذهب.

أسست عُمان الموانئ والأسواق، وربطت السواحل الإفريقية بالخليج والهند، فصار المحيط الهندي تحت راية السلام لا تحت صليب القهر.

البُعد الأمني والسياسي…

من الناحية الأمنية، أعادت الدولة العُمانية ضبط الممرات البحرية التي كانت تحت سيطرة القراصنة البرتغاليين، فحمت التجارة العالمية العابرة من الشرق إلى الغرب.

ومن الناحية السياسية، أصبح وجود عُمان في شرق إفريقيا موازنًا لقوة البرتغال والهولنديين والإنجليز في المحيط، لتتحول ممباسا إلى قاعدةٍ استراتيجية للنفوذ العُماني في القرن السابع عشر والثامن عشر.

النصر المهيب…

بعد 33 شهرًا من الحصار، أمر الإمام بالهجوم الكاسح.

اندفع الجنود من كل اتجاه، وارتفعت صيحات “الله أكبر”، واقتحموا القلعة من البوابة الجنوبية.

دارت معارك عنيفة، ولكن العزم كان أقوى من الحجارة.

حين رُفع العلم العُماني فوق أسوار قلعة يسوع، كان ذلك إيذانًا بانتهاء قرنٍ من الظلم، وبداية فجرٍ جديد من الحرية.

أُسر البرتغاليون وأُجلي من بقي منهم إلى غوا، وأُعيدت ممباسا إلى أهلها. ومن تلك اللحظة، صار البحر شاهدًا على عدلٍ لا يُشترى، وعلى رايةٍ لا تنكسر.

لم يكن حصار القلعة مجرد معركة، بل نقطة تحوّل في ميزان القوى في المحيط الهندي.

تراجع النفوذ البرتغالي، وبدأت القوى الأوروبية الأخرى تتعامل مع عُمان كدولة بحرية عظمى.

وفي القرن التالي، نقل العُمانيون عاصمتهم البحرية إلى زنجبار، لتصبح لؤلؤة المحيط ومركز إشعاع حضاري وديني وثقافي.

في عالم اليوم، حيث تحاصر الأمم بعضها بالعقوبات بدل المدافع، وتُجوّع الشعوب بدل القلاع، يعود مشهد قلعة يسوع ليُذكّرنا: أن من يقاوم من أجل الكرامة والإيمان لا يُهزم.

العُمانيون لم ينتصروا فقط بالسيف، بل بالثبات، والتنظيم، والإخلاص، والإيمان بأن العدالة لا تموت ولو طال الليل.

حصار قلعة يسوع ليس قصة ماضٍ يُروى، بل مرآة حضارةٍ تُضاء كلما حاول التاريخ أن يُطفئها.

في تلك الثلاثة والثلاثين شهرًا (13 مارس 1696 و 13 ديسمبر 1698) تحت راية قيد الأرض، صاغ العُمانيون ملحمةً بحريةً قلّ أن يشهد لها التاريخ مثيلاً.

وبهذا النصر من الله أفلت دولة البرتغال العظمى المتجبرة بعد تحطيم هيبتها لتحل مكانها عُمان كدولة عظمى بسطت تسامحها في مساحات المحيط الهندي بعد إتجاه الأسطول نحو جوا الهندية وبفنون حرب بحرية وبرية وبسيوف ورايات عمانية .

وكانوا — وما زالوا — أبناء بحرٍ لا يهاب الموج، وأحفاد إيمانٍ وأحفاد إيمانٍ لا يزول فيا له من شعب متلاحم غيور على بعضه البعض يغيض الحسود الحقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى