
في كل رحلة لا أكتفي بمشاهدة المناظر، بل أفتش عن ثمرةٍ تنبت على الطريق، تحمل في طياتها قصة أرضٍ وشعب. هنا تبدأ حكاية “ثمار الطريق”؛ سلسلة مقالات أدوّن فيها مذاقات الطبيعة كما التقطتها العين والذاكرة.
على سفوح قبالا الخضراء، حيث تتعانق الجبال مع الغابات الكثيفة، تبدو الطبيعة وكأنها متحف حيّ للفواكه والأشجار. في هذه البقعة من شمال أذربيجان، لا يدهش الزائر فقط بجداول الماء الرقراقة أو القرى الوادعة، بل بما تطرحه الأرض من ثمار تجمع بين الغرابة والطرافة.
في أحد البساتين، لفتتني شجرة مثمرة بثمار مستديرة صفراء اللون، مرشوشة ببقع بنية دقيقة، لا هي تفاح ولا هي كمثرى تقليدية. وحين تذوّقت إحداها، كان الطعم مفاجئًا: قوام مقرمش كالتفاح، مع حلاوة ورائحة كمثرى. عرفت لاحقًا أنها الكمثرى الآسيوية أو “الناشي”، فاكهة شرقية الأصل موطنها الصين واليابان وكوريا، لكنها اليوم تجد موطئ قدمٍ لها في قبالا. إلى جانب لذّتها، تحمل هذه الفاكهة فوائد غذائية وصحية عديدة؛ فهي غنية بالألياف وفيتامين C، ومنعشة في صيف الجبال المعتدل.
غير بعيد عن تلك الشجرة، أخذتني خطواتي إلى غابة صغيرة تتخللها شجيرات متسلقة ذات أشواك رفيعة. على أغصانها تدلّت عناقيد من ثمار صغيرة لامعة، تتحول ألوانها من الأخضر إلى الأحمر ثم إلى الأسود عند النضج. إنها التوت البري الأسود أو “العليق”، أحد نباتات الغابات الشهيرة في أوروبا والقوقاز. ثماره غنية بالعصارة والنكهة، وتستخدم طازجة أو في صناعة المربيات والعصائر، وتُعد مصدرًا مهمًا لمضادات الأكسدة التي تمنحها قيمة غذائية عالية.
التقاء “الناشي” المجلوب من أقصى الشرق بثمار “العليق” البرية في قلب القوقاز، يشي بكيفية امتزاج الطبيعة والثقافات الزراعية. ففي قبالا، لا يُنظر إلى هذه الأشجار كمجرّد مصدر غذاء، بل كجزء من الهوية الزراعية التي تعكس خصوبة الأرض وكرمها.
إنها تجربة لا تقتصر على التذوق، بل هي رحلة بين الحقول والغابات، حيث كل ثمرة تُخبرنا عن تاريخٍ طويل من الترحال والتبادل، بين شعوبٍ جعلت من زراعة الأرض وحفظ ثمارها شكلًا من أشكال التواصل عبر الزمن.



