منذ طفولتنا، كنا كلَّ صباحٍ نسابق النور لنخرج إلى الطرقات. نلعب ونركض بين أزقّة قريتنا، ندخل من طريق ونخرج من آخر، نجري بين الحواري، تارة بين النخيل وتارة بين أشجار الحقول. نقذف الكرة نحو السماء، ونرمي أحيانًا الحجارة، نتسابق ونتعثر ثم نقوم من جديد.
في أحد صباحاتنا الجميلة، وكان يومًا ماطرًا، انهمر المطر علينا بغزارة كأن دلو من ماء بارد قد صُبَّ فوق رؤوسنا. جرت المياه في الطرقات وامتلأت الحفر في أرجاء القرية وكان الماء قد بلل بيوت الطين ، فشعرنا بسعادة غامرة . يا لها من أيام! كنا نرتمي في برك الماء، نقفز مرة ونسبح مرة أخرى، وضحكاتنا تعلو إلى السماء .
لعبنا بالطين؛ نصنع منه جسورًا وقلاعًا، فإذا تعبنا حطمنا ما بنيناه وتقاذفنا بالطين ضاحكين. وكانت المزاريب تصب علينا الماء، فنقف جميعًا نتدافع لنسابق الزمن في وضع رؤوسنا تحتها لنستمتع ببرودة الماء.
وحين يهاجمنا التعب والجوع والعطش، نعود إلى منازلنا بملابس ملطخة بالماء والطين، وكأننا لم نستحم منذ أيام. كانت تلك أيّامًا جميلة سطّرناها في ذاكرتنا بين أبهى الذكريات، نستعيدها كلما التقينا بالأصحاب.



