
بتسارع الأحداث والمتغيرات في عالم تتشابك فيه التفاصيل وتتشابه المعطيات يكون لتحديد المسار أثر عظيم وذلك من خلال الانطلاقة الأولى وللسؤال الجيد وهناك مقولة ليست مجرد تعبير بلاغي أو حكمة عابرة بل إنها تُلخص لنا فلسفة عميقة في فهم الإنجاز والمعرفة بأشكالها الصحيحة المفيدة وتكشف لنا الجرأة في الشروع والفضول في البحث والسؤال هذه المقولة هي “البداية هي نصف كل شيء، والسؤال هو نصف المعرفة”.
عند اتخاذ قرار لبدء شيءٍ جديد في حياتنا كدراسة أو إنشاء مشروع أو بناء منزل إصلاح أو حتى يمكن أن يكون عادة جديدة يكون معنا التحدي الأكبر، وهذا لا يكون بسبب الصعوبة في ذات العمل ولكن هي في الحقيقة الخوف من الخطوة الأولى في ذلك الطريق، ليس لشيء بل لأن البداية تطلب منا كسر حاجز ذلك الخوف ونتغلب في أنفسنا من التردد ورفض مبدأ التراخي، نقطة البداية التي هي النقطة التي يفترض أن تبدأ منها وعندها الخطوة الأولى قد يتوقف عندها الكثيرون.
قال الفيلسوف اليوناني “أفلاطون “البداية هي الجزء الأهم من العمل” ويقصد بذلك إننا في البداية نمتلك قوة نفسية هائلة حيث نشعر بطاقة إيجابية مختلفة لأننا نتجاوز في ذلك عتبة الخوف والتردد والكسل وتولد هذا الشعور في حد ذاته كافيًا لاستمرارية الطريق.
أيًا كان العمل ومهما كان حجمه في حياة الناجحين يبدأ من نقطة تحول وغالبًا ما تكون البداية بقرار جريء يتم اتخاذه كأول صفحة تبدأها في قراءة كتاب أو أول جملة تكتبها في مقال أو أول اتصال لبدء مشروع تنطلق به لريادة الأعمال أو حتى قد تكون أول خطوة في طريق لم يكن لك واضحًا ومرئيًا بالكامل، أتعلم بأن مجرد الشروع والبدء في أي عمل تود القيام به مهما كان حجمه يمنح صاحبه القوة الداخلية وتتراكم تلك القوة مع مرور الوقت لتكون وتصبح عادة أو إنجازًا.
“البداية هي نصف كل شيء، والسؤال هو نصف المعرفة” النصف الثاني للمقولة السؤال هو نصف المعرفة وهذا الجزء له بُعد عميق لا يقل عن بُعد البداية فهو ليس فقط كوسيلة لنحصل على معلومة نبحث عنها ولكنه في الوقت نفسه نجده تعبيرًا عن وعي ورغبة في فهم وإدراك وفضول، لأن من لا يسأل لا يمكن أن يتعلم، ومن لا يتعلم كيف يتطور؟
الباحث في الحضارت القديمة يجد أن الفلاسفة يحترمون السائل قبل المجيب لأن السؤال الذكي يكشف ويُبرهن عن عقل متوهج بالحيوية والذكاء، صاحبه شخص يتمتع بذكاءٍ حاد، وذهنٍ نشط، وفطنةٍ عالية، كما إنه يدل على وعي وفهم لمشكلة أو نقص في الفهم، حيث إنه الخطوة الأولى نحو الحل الصحيح لكل شيء، وهنا نجد نتيجة القول بأن ليس عبثًا ابدًا أن يكون العلم قائمًا على الفرضيات وهي التي في جوهرها أسئلة تنتظر التجريب والتحقق.
المتأمل بالتاريخ العلمي يجد معظم ما توصل له العلم من اكتشافات عظيمة تخدم البشرية قد بدأت بسؤال سهل وبسيط
لماذا؟ كيف؟ ماذا لو …….؟ هذه الأسئلة وإجاباتها فتحت لنا في المعرفة أبوابًا لم تكن معروفة ولم تخطر على فكر أحد، بسقوط التفاحة بدأ البحث عن الجاذبية كيف تسقط التفاحة، ونجد أن النظرية النسبية نجدها في إجابة سؤال عن الضوء والزمن، وبالسؤال عن سبب المرض والعدوى توصلوا إلى اللقاحات.
اتحاد الجزئين من المقولة البداية والسؤال واجتماعهما يصنع المسار الصحيح والمتين لكل إنسان يسعى للتقدم، فلو بدء بجانب دون آخر لكان الخلل، فلو بدء دون أن يطرح الأسئلة ولو مع نفسه قد يكون سيره وجهده في الطريق الخطأ وفي الوقت ذاته لو طرح الأسئلة ولم يتخذ الخطوات الجرئية اللازمة لكان العقل بقي حبيس دائرة التنظير.
فرائد الأعمال عندما ينجح ويبدأ فعليًا يحتاج أن يسأل عن احتياجات السوق وعن الاهتمامات لدى الجمهور وأسباب من سبقه من الناجحين أو عن أسباب من فشل ممن سبقه، وكذا الطالب المتميز المتفوق ليس بالتدريس والمذاكرة فقط بل لأنه طالب يسأل ويحاور ويناقش أكثر عن غيره ويتفاعل مع الدرس والمادة والمعلم ليصل إلى فهم أعمق.
عندما ننظر على مستوانا الشخصي في حياتنا اليومية كل منا يجد انه يعتمد على التوزان بين البداية والسؤال، فمن منا يبدء يومه بالتخطيط والتنظيم يسير غالبًا باتزان تام ويحقق نجاحه ومن يسأل نفسه في كل يوم مع نهاية جدول أعماله ماذا حقق وانجز؟ وماذا عمل؟ فيجد نفسه في طريقه للنضج الذاتي والتطور المستمر لذاته ونفسه.
واليوم ونحن نعيش زمنٍ كثرت فيه المعلومات وقل فيه في ذات الوقت التفكير النقدي أصبحت العودة ملحة لتلك المبادئ البسيطة ضرورة ومهمة وإن كان يراها البعض ساذجة، فنحن بحاجة كي نتعلم لا أن نؤجل البداية وأن نسأل لا أن نستحي من السؤال، نحتاج للبداية وإن كانت متواضعة ونسأل ولو رأينا أو رأى الآخرون انها أسئلة ساذجة.
ختام حديثي نستطيع القول بأن من لا يبدء كيف يصل؟ طبيعيًا لن يصل لهدفه وكذلك الذي لا يسأل لن يفهم، لأننا علمنا أن بين الوصول والفهم تتحدد هُوية الشخص وطموحه وإبداعه وتميزه بل وربما مصيره.



