السياحي

بيت الدروازة بولاية إبراء.. جدران تتنفس ذاكرة الأجداد

إبراء: التكوين

ما إن تصل إلى قرية المنزفة في ولاية إبراء، حتى تهبط على زمنٍ آخر. زمنٌ تهمس فيه الحجارة، وتتحدث فيه النقوش، وتعانق فيه الأرواح ذاكرة المكان. تلتقي في قرية المنزفة الجبال بالصحراء، يقف متحف بيت الدروازة شامخًا كحارسٍ أمين على هوية، وراوٍ خبيرٍ يحفظ حكايات لم تُنسَ.

عندما ندخل إلى حارة المنزفة، نشعر كأننا نخترق حاجز الزمن. الهواء نفسه هنا يحمل عبق التاريخ، رائحة التراب الطيني الممزوج بأزهار السدر البري، وصوت الريح الذي ينساب بين أزقة الحارة عازفًا لحناً قديماً للعازي والرزحة. القرية بأكملها تبدو تحفة فنية طبيعية، تتداخل فيها الألوان الترابية مع اخضرار الأشجار، وتتدرج المباني على سفوح الجبال في تناغم بديع مع الطبيعة.

 اختزل بيت الدروازة ببنائه الطيني الجميل ذاكرة أجيال سبقت فكان قلبًا نابضًا ينبض بحياة الأسر العمانية. في غرفهِ عاشت أحلامهم، وعلى نوافذها جلس أطفال يحلمون بمستقبلهم، وفي ساحته الداخلية احتضنت الجدران ضحكاتهم وهمسات كبارهم. كانت “الدروازة” – الباب العلوي – جسرًا بين الماضي والحاضر، يربط بين أجزاء البيت كما يربط الأجيال بعضها ببعض.

إن الناظر إلى عمارة البيت يرى فيها تجسيداً للقيم العمانية الأصيلة. فالبناء المتين يشير إلى قوة الشخصية، والتفاصيل الدقيقة في النقوش تعكس الاهتمام بالجمال، والتوزيع الذكي للمساحات يدل على الحكمة في استغلال الموارد. لا تزال مرامي البنادق في الجدران تشهد على قيم الحماية والدفاع عن الأرض والعائلة. بينما تروي النقوش الجصية على النوافذ والأبواب قصة الجمال الذي صنعته أيادي إنسانية، مؤكدة أن العماني لم ينسَ، حتى في أحلك الأوقات، أن يضفي على حياته لمسات من الفن والجمال.

في فناء البيت الداخلي، يمكننا تخيل الجلسات المسائية حيث كان كبار العائلة يجلسون يتدارسون أمور الحياة، والأطفال يلعبون في زوايا الفناء. في المطبخ، لا تزال الأواني الخشبية والحجرية تحكي قصص الأطعمة التقليدية التي كانت تعد بحب، واجتماع العائلة حول مائدة واحدة. في غرف النوم، البساطة في التصميم والتهوية الطبيعية تدل على حكمة الأجداد في التكيف مع المناخ.

· الخنجر العماني المعلق على الجدار يروي للزوار قصة القوة والكرامة والانتماء. كل خنجر له قصة، وكل مقبض يحمل بصمة صانعه، وكل غمد يخبئ ذكرى مناسبات رسمية وأفراح.

تتألق الحلي الفضية في الخزائن ببريق المعادن وذكريات الأفراح والمناسبات التي زينت فيها النساء. قلائد وأساور وخواتم تحمل في تصميمها رموزاً من البيئة العمانية، من نجوم الصحراء إلى أمواج البحر.

· أواني الطهي التقليدية في زاوية المطبخ لا تزال تحمل في طياتها نكهات الأطعمة التي اجتمعت حولها العائلة، وتذكّرنا بأن الود كان دائمًا أفضل مقبلات الطعام. القدور الحجرية والصحون الخشبية والمباخر النحاسية، كل منها يحمل بصمة الأيادي التي استخدمتها.

· تستخدم السروج أدوات ركوب الخيل وهي رموز للكرامة والفروسية والارتباط بالأرض. التطريزات الجلدية المعقدة على السروج تخبرنا عن مدى تقدير العماني للجمال حتى في أدواته اليومية.

ان هذه القرية بمجموعة مبانيها الرائعة نسيج إنساني حي. كل ممر، كل نافذة، كل باب يخبئ قصة. النقوش التي تزين الواجهات زخارف تم ضبطها بعناية فائقة لأنها سبكت ببوح الحرفيين وحبهم للحياة، وتعبير عن إيمانهم بأن الجمال هو اللغة العالمية التي تفهمها جميع القلوب.

يقف الزائر في هذا المكان مأخوذاً بجمال التفاصيل. النوافذ الصغيرة التي صممت بدقة للتحكم في ضوء الشمس والهواء، السلالم الخشبية التي تحمل آثار الأقدام، الأقواس الحجرية التي تظهر براعة في الهندسة. كل شيء هنا يخاطب روح الزائر، يدعوه للتأمل في عبقرية البساطة، وفي عمق التواصل بين الإنسان وبيئته.

يتحدث سعادة الشيخ عبدالله بن حمد الحارثي – المشرف على المتحف -، بشغف عن خطط الإدارة لتحويل البيت إلى منصة إبداعية، حيث سيكون “المقهى الثقافي” مساحة للحوار والتلاقي، وتكون القاعات المجهزة للفعاليات مسرحًا لاستمرار الحياة في هذا البيت العريق.

بيت الدروازة أحد النماذج الحية الدالة على عظمة الإنسان العماني الذي صارع التحديات وانتصر عليها بإرادته. وهو درس في التواضع عندما نرى كيف عاش الأجداد في بساطة لكن بعزيمة وإرادة. وهو أيضًا تذكير بأن الترميم إعادة بناء الحجارة، وأحيى روح المكان.

التجول في بيت الدروازة يشعرنا بأننا جزء من سلسلة زمنية ممتدة، تربطنا بأجيال سابقة، وتذكرك بأن الحياة مستمرة وتأتي بالجديد في كل يوم.

ان بيت الدروازة متحف تاريخي يدعو للعودة إلى الذات، وللتأمل في حكمة الأجداد، وللاستمتاع بجمال بسيط ونقي. هو مكان يذكرنا بأن التطور لا يعني القطيعة مع الماضي، بل البناء عليه، فهنا، في هذا البيت العتيق، تتجسد عبقرية العمارة العمانية في تقنيات البناء وقدرتها على ايجاد مساحات إنسانية تظل حية في الذاكرة والوجدان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى