
كانت رحلتي إلى البوسنة والهرسك تجربةً لا تُنسى، امتدت لأربعة عشر يوماً، لكنها كانت كأنها حياة بكاملها. حملتني الأيام بين القرى الوادعة والمدن النابضة بالحياة، من ساراييفو العتيقة إلى بيهاتش الحالمة، وبين الجبال والأنهار والوجوه البشوشة، وجدت نفسي أقترب أكثر من الإنسان، من الطبيعة، ومن ذاتي.
في هذه الرحلة، لم أكن مجرد سائح يعبر الطرقات ويلتقط الصور، بل كنت باحثاً عن روح المكان. تعرفت على ثقافة شعب تَشرَّب الألم لكنه اختار الحب، عايشت المسلمين والمسيحيين وهم يتقاسمون الخبز والسلام، وخالطت أهل الأرض فوجدت الطيبة في حديثهم والبساطة في عيشهم.
ركبت الخيل لساعات طوال، تسلقت الجبال، تهت في الغابات، واستنشقت الحياة بطعم مختلف. كل لحظة كانت مليئة بالحيوية، كأن الروح أعادت اكتشاف نفسها وسط الشلالات والبحيرات وخرير الأنهار.
كانت الطريق تحمل مفاجآتها، من انفجار إطار السيارة إلى مخالفة وقوف في مكان غير مسموح ، لكن تلك التفاصيل الصغيرة صنعت نكهة الرحلة.
التقيت بأصدقاء جدد من بلجيكا، هولندا، تركيا، وسوريا، وكان لأصحاب الأرض النصيب الأوفر من القرب والودّ.. فلكلٍّ منهم قصة، وكل حديث كان نافذة جديدة على العالم.
عدت وأنا أحمل في داخلي معنىً جديداً للحياة: أن تعيش ببساطة، أن تفرح بالقليل، وأن ترى الجمال في كل شيء حولك.
فالحمد لك يا الله، على السَّعة في الرزق، والبركة في اللقاء، والطمأنينة في الرحيل.



