النصوص

بقدرِ الصعوبة كانت الأجمل

عبدالعزيز بن راشد الدهماني

بدأتُ صباحي يومًا عاديًّا كما اعتدت، فاستفتحتهُ بصلاتي ودعائي، ثم تناولتُ طعامي البسيط: خبزًا وزيتونًا وحليبًا.

انطلقتُ بعدها إلى دَرسِي القرآني، وكنتُ أحرص دائمًا على أن أسبق أستاذي في الحضور، فطالبُ العلمِ يسعى لعلمه سعيَ الجادّ المتلهّف.

دخل أستاذي، بلحيته الوقورة وهندامه المرتب، كأنّ العلم قد نُظِم في ملامحه.

كان يكتسي بثوبه الأبيض، لا أدري سرَّ هذا التأنّق، غير أنّه يعلّمني من خلاله جمالَ العلم والأدب والنظام، وكأنّه يخالف قول الشاعر:

ليس الجمالُ بأثوابٍ تزينُنا

إنَّ الجمالَ جمالُ العِلمِ والأدبِ

بدأ أستاذي يسرد علينا من بحر علمه الواسع، وينقلنا بين الدنيا والدين، حتى بدا لي العلم في بدايته يسيرًا، ثم ما لبثتُ أن غرقتُ في تفاصيله العميقة.

وكلما تعجبتُ من أمرٍ قلتُ لنفسي: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

تتابعت الأسئلة في ذهني كقطرات المطر، استطعتُ أن أحصي بعضها، وغابت عني أخرى، لكن سؤالًا واحدًا كان أشدَّها إلحاحًا عليّ.

رجعتُ إلى المنزل وذهني مشغول به، وقضيتُ ساعاتٍ أبحث عن جوابه دون جدوى.

وحين أقبل الصباح الجديد، لم أطق صبرًا، فانطلقتُ بدراجتي أُسابق الوقت، علّي أجد الإجابة.

أسرعتُ حتى اصطدمتُ بأحدهم، فنهرني، فاعتذرت، وقلت في نفسي: عليَّ أن أصبر في سبيل طلب العلم.

دخلتُ المكتبة، أقلب رفوفها وأوراقها، أتنقّل بين الكتب بشغفٍ لا يهدأ، حتى ظفرتُ بكتاب ابن كثير

قلبتُ صفحاته، فإذا بالجواب الذي أرهقني بحثًا، فتنفستُ الصعداء، وشعرتُ أن الدنيا بأسرها تضيق عند فرحتي بما سأعرف. دونتُ الجواب في ورقةٍ صغيرة، لكنه ارتسم في عقلي وقلبي من ذلك اليوم، وحفظتُه عن ظهر قلب، حتى صرتُ إذا سُئلتُ عنه كنتُ أسرعَ الناس جوابًا، وأشدَّهم فخرًا بمعرفته.

وما أجملَها من كلمةٍ تعلّقت بها نفسي منذ ذلك الحين: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»،

قرأتُ تفسيرها بكلِّ روعةٍ وتأمل، إذ يقول ابن كثير: إنَّ الله تعالى هو الذي سيكفيك أذاهم، ويعصمك منهم، ويكفيك شرَّهم.

فما أعظمها من آية، وما أبلغ أثرَها في القلوب!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى