
لا يختلف على هذا الأمر أحد ،فكلنا نعلم بأن الكتابة فطرة تلملمت من خفايا إنسان مبدع ، نُثرت على السطور ، لكي تخرج معبرة عن كل جمالياتها حين تحصل على تغذية فعلية من القراءة والتمارين المستمرة والأماكن الإلهامية التي يقتنص منها الكاتب كلماته الشاعرية .
فيدرك الكاتب الموهوب بهذه الخلجات وكيف يصيغها للقارئ عندما يحيك صنعتها بمهارة وإتقان .
وما يحز على خاطري غياب المنتوج الأدبي الأصيل بين خطين الفن (الإبداعي الصحيح ) غير المغشوش .
فتجده يتلاشى تدريجيًا على مر الأيام وهذا ما رأيناه في الآونة الأخيرة ،مستندين على تكنولوجيا تذهب بنا نحو المنحدرة .فليس كل إنسان لديه هواية الكتابة فكيف لمالك الهوايات المتعددة كالنجارة أو النحت أو الرسم أو صاحب الصوت الشجن وهلم جرا من المواهب هل كلها ملك لشخص واحد ؟
بالتأكيد لا ،فمن البديهي أن لكل شخصية إبداعها المميز ،وليس بغريب أن ترى شخصا ميزه الله بتنوع المواهب ولكن تكون هذه الفئات نادرة ولو وجدناها سنرى أن هذا الشخص مبدع ركز الضوء على إحدى المهارات التي يميل بها قلبه .
فالنجار سيخوض التمارين والتدريبات لكي يبدع ،وكذلك صاحب أي صنعة إبداعية ومن بينها (الكتابة الإبداعية )تغذيتها بالقراءة المتنوعة .
فالكتابة تأتي من بعد مخزون ثقافي كبير من القراءات ،فمن خلال قراءاتي الحديثة تجد الكاتب هاويًا مستعجلاً في الكتابة وخاصةً أنه يريد النشر بدون ناتج أدبي أصيل وحتى لو كان بعيدًا كل البعد عن الكتب و القراءة وهذا يؤدي إلى نقص فكري كبير يؤسفنا على الحال .
فما أجمل أن نتلذذ باحتساء فنجان قهوة مع إبداعات المنفلوطي ونجيب محفوظ و نتغنى بقصائد أحمد شوقي و نزار قباني والكثيرون .فلنبحر في سطور كتب التاريخ والفلسفة والفكر .
فعزائي لمن يطلق على نفسه كاتبًا وهو لم يقرأ إلا سطورا من كتاب أو كتابين ،وليته اكتسب مخزونًا ثقافيًا بل قرأ بضع أوراق فارغة .
أتذكر في بداياتي الكتابية عندما كنت طالبًا في المدرسة امسك قلمي واعتصر مخزوني من الكتابة كنت أقع في أخطاء كثيرة وكنت استمع قول أي ناقد وأصحح الخطأ لا اكتفي بذاتي بل أستشير حتى الأشخاص العوام وبعضهم يصف لي كتابًا أحاول توفيره بكل السبل ،ومازلت أستعين بالكتب والتهم القراءة إلتهامًا، لأني أجد فيها ضالتي من المخزون الفكري .
كم أبدو حتى الآن سعيدًا حين انهي كتابًا وأناقشه مع ذوي الاختصاص حتى لا أتعثر في كتابة النصوص في كتابتي المستقبلية .
كان الكاتب ينهك نفسه لكي يحصل على المصدر حتى ينهي أي نص يريد كتابته ومع تطور التقنيات أصبح الأمر سهلًا ،ولكن صار مؤسفًا بل غشًا فكريًا بصريح العبارة لأن الكاتب صار لا يشغل نفسه بالكتابة والبحث بل يستند على شات جي بي تي في كتابة نصه بالكامل ،فتجد كتابًا من 300 صفحة كله صنع الذكاء الاصطناعي وخال من إحساس ومشاعر الكاتب الذي يندد بنصوص غير نصوصه ويظن أن الكل لا يكتشفون أنها من صنعة الذكاء الاصطناعي، فلا يفطن كُنه هذه النصوص إلا القارئ النهم.
التقنيات الحديثة نعمة في تطوير المهارات الكتابية ،كالأسئلة التي يجيب بها شات جي بي تي بسرعة أو تحرير النص وتدقيقه دون تغير النص حرفيًا فهذا شيء إيجابي لا محالة ،أما من يقدم نص من سطرين لهذه التقنية ويجعل الكتاب من صناعة هذا الربوت فستكون الكتابات كلها مجرد أوراق فارغة .


