في زاوية من زوايا الطريق كان هناك ذلك الجسد الممدود على الرصيف والذي لا يهتم أحد بوجوده، حتى أن البعض لا ينتبه له وقد يركله برجله وآخر قد يضغط على جزء منه، ولكنهم لا يهتمون، فذلك الرجل كأنه لا شيء، جسم نحيل جدا لا تجد على عظامه إلا جلدا قد ألتصق بتلك العظام النابئة، كان يحاول الحركة من مكانه، ولكن لا يستطيع فليس لديه القوة التي تجعله يرفع ذلك الجسد مع خفته. تمر عليه أيام ولا يأكل غير الفتات.
كان أحيانا عندما يجد القوة في جسده يذهب إلى المسجد القريب من المكان الذي يتخذه سكنا، يؤدي الصلاة بعيدا عن الناس، لأنه كان يرى نظرات الازدراء من مظهره وملابسه فقد يلجأ لمكان بعيد خارج قاعة الصلاة في المسجد يصلي ثم يرحل. أحيانا كان أمام المسجد يقترب منه ويسأله عن حاله ويقدم له شيئا من المساعدة وكان يأخذها منه ويشكره على وقوفه معه ومساعدته، ولكن اليوم لم يكن موجودا انتظره حتى خروج كل المصلين من المسجد وهو يراقبهم وهم ينظرون إليه بطرف خفي وكأنهم لا يرونه، حاول أن يجمع قواه حتى ينادي على أحدهم بالإشارة لعله يقترب منه، لاحظ أحد الخارجين من المسجد رغبة الرجل في الحديث مع أحدهم أي شخص المهم يتحدث إليه، تقدم منه وسلم عليه وقال له: تفضل، كأنك تريد شيئا! رفع رأسه ونظر إليه: لا شيء فقط كنت أريد السؤال عن أمام المسجد لم أره يخرج معكم اليوم. فقال الرجل رادا عليه: اليوم لديه إجازة وغدا سوف يكون موجودا، هل هناك خدمة أقدمها لك. فقال الرجل “بعد أن أخفض رأسه”: لا شيء، شكرا لك. أدخل الرجل يده في جيبه وأخرج شيئا ما من جيبه ووضع في يد ذلك الرجل دون أن يتحدث ومضى لحاله.
خرج الرجل من المسجد ومازالت عيون ذلك القاعد هناك تراقبه وترنو إلى خطواته وتسأل الله له التوفيق فما قدمه لها شيئا كبيرا سوف يترك بصاحبها أثرا. الرجل بدوره كان يحمل نفسه على الخروج من المسجد وعقله مع ذلك الجسد الذي تحدث معه قبل قليل ما الذي أوصله إلى تلك الحالة؟ وهل هناك قصة مختفية خلفه؟ كلها أسئلة دارت في ذهن تبحث عن إجابات، أيقل أن ذلك الشيء ليس له من يسأل عنه؟ من أين جاء؟ كيف وصل إلى هذا المكان؟ أسئلة متزاحمة في ذهنه كل سؤال يولد سؤالا آخر. لابد أن يجد لها إجابات، ولكن من أين يبدأ؟ هنا قرر أن يبحث ليصل إلى الإجابة والبداية ستكون من أمام المسجد وبعدها سوف ينطلق في رحلة البحث لهذا الشيء المجهول ليصل إلى الحقيقة.
ما الشيء الذي دفع ذلك الرجل حتى يفكر به بتلك الطريقة هناك الكثير من بني آدم مروا عليه سابقا، ولكنهم جميعا لم يشكل لهم أهمية، لماذا هو وقف؟ حتى أن الرجل الذي مازال في المسجد لم يخرج بعد كان لديه أحساس غريب اتجاهه، شيء من الراحة لم يحس بها سابقا لذا ظل ينظر إليه متأملا أن يعود ويبدأ الحديث معه مرة أخرى، ولكن كل ذلك لم يحدث وتلاشى واختفى ولم يعد يراه.
“خليل” ذلك الرجل الوقور الذي يعرفه كل المترددين على المسجد، مثال الرجل الشهم الذي يقف مع الجميع في قضاء حوائجهم، كل من طرق بابه لم يعد خائبا وأحيانا تجده هو من يبادر في عمل الخير وخاصة إصلاح ذات البين، فكان لا يحس بالراحة عندما يعرف بوجود خلاف أو خصام بين اثنين مهما كان حتى ولو لم تربطه بهما علاقة، تعود على ذلك ونشأ عليه واصبح الكل يقصده لذلك حتى أن يبذل من ماله ووقته من أجل أن يؤلف بين القلوب، ولديه ميزة أخرى “خليل” رقيق القلب يقف مع المحتاج ولا يتأخر عنه وخاصة أولئك اللذين ليس لهم من يهتم بهم ويقدم لهم العون والمساعدة ولكن هذا لا يأتي هكذا وإنما بعد بحث وتقصي منه، وحالة الرجل في المسجد جعلت منه يتحدث مع نفسه كثيرا، فمذ خرج من المسجد مازالت صورة ذلك الرجل مرتسمة في ذهنه ولابد أن يعرف قصته وتفاصيلها.
عندما ناول “خليل” الرجل بالمسجد لم ينظر إلى قيمة المبلغ الذي ناوله إياه فكان كل تركيزه على شخصيته وهيبته، والآن تذكر المبلغ واخفض عينيه فيه، وكانت المفاجأة أن هذا المبلغ كبيرا عليه فهو لم يتعود على الحصول عليه من قبل حتى من أمام المسجد، دخل الفرح والسرور إلى نفس “شامس” هذا الاسم الذي عرف به بين الناس لكثرة تعرضه لأشعة الشمس، لم يكن يعرف له اسم من قبل وعندما ألصق به اسم “شامس” أحبه، فالكل هنا يناديه به، حتى هو جعل لنفسه كلمات يرددها عندما كان يسأل عن اسمه فيقول: أنا شامس، تحت الشمس جالس، آكل مرات من بقايا المكانس. رغم هيئته المزرية وملابسه البالية وجسمه النحيل ولكن كان صاحب وجه بشوش لا تفارقه الابتسامة حاول أن يشق طريقه ولكن الظروف كانت ضده لم يجد من يقف معه ويأخذ بيده فأصابه اليأس كالكثير من هم في حالته فرضي بالحياة البسيطة القائمة على إحسان الناس، فداخله يعرف أنه استسلام ولكن ماذا يفعل لا يعرف شيئا عن نفسه، كما أنه لا يحسن عملا، وتعود على الحالة التي هو عليها الآن لسنوات فأصبح من الصعب أن يتغير، ولكن بهذا المبلغ الذي عنده الآن سوف يتغير شيئا من نفسه، ربما يشترى ثوبا جديدا أو نعالا وربما حذاء بدل ذلك البالي الذي ينتعله، ولماذا لا يذهب إلى المركز التجاري ويأخذ صابون جسم يغسل أدرانه وقد يرقى نفسه قليلا ويشترى علية شامبو صغيرة يغسل به شعره المجعد نتيجة عدم غسله لفترة طويلة، وربما يدخل أحد المطاعم والمقاهي ويرفه عن نفسه بوجبة دسمه، كلها أحلام في ذهن “شامس” سوف يبدأ في تحقيقها مباسرة بعد الخروج من المسجد، ولكن قبل ذلك سوف يذهب إلى دورة المياه.
حمل جسمه الضئيل المنهج من الحياة، مع الأحلام التي خطرت على باله وهو يمسك بذلك المبلغ في كفه وقد أطبق أصابعه الخمس عليها خوفا من أن يسقط وتحمله الرياح ولا يستطيع اللحاق به، يخطو خطوات وكأنه طفل يخطو خطواته الأولى يستند على الجدار القريب منه وهو ينزل من السلم ويسير في هدوء خوفا أن يسقط وترتطم كف يده بالأرض وتنفتح قبض يده الواهن ويتلاشى الحلم، يصل إلى دورة المياه ويختار الأقرب من الباب حتى يدخلها، أغلق الباب خلفه وهنا وقع في حيرة أين سيظل المبلغ الذي بيده فهو لا يملك جيوبا في ثوبه، أدار عينيه في المكان بعدها قرر وضعه على المغسلة التي أمامه هناك مكان خصص لوضع صابون الأيدي والمناشف الورقية، يضع المبلغ حتى ينتهي من أمره، نهض واتجه إلى المغسلة حتى يغسل يديه ودون أن ينتبه فتح الباب ودخل الهواء بقوة وكأنه كان محبوسا يرغب في الهروب وحمل معه المبلغ، حاول اللحاق به وهو في الهواء ولكنه لم يتمكن من ذلك، سقط ورويدا رويدا تحرك وسقط فيدورة المياه، دون شعور منه مد جسمه على لعله يصل إلى أحلامه قبل أن تسقط في أنابيب الصرف الصحي ولكنه فشل، بعين كلها حسرة وحزن يراقب المبلغ وهو يهوي للأسفل، ماذا يفعل؟ هل يضحي بالأحلام؟ سأل نفسه: ماذا سيحدث أن أدخلت يدي إلى الأنبوب؟
أدخل يده وتناول المبلغ، ذهب إلى المغسلة وبدأ في غسله وعندما تأكد من نظافته غسل يديه، نظر إلى تلك الورقة المالية الخضراء: لن أفقدك وسوف أحقق بك ما حلمت به، اليوم وليس غدا.
يخرج “شامس” من المسجد وقد رسم أمامه خريطة لأحلامه، الغريب في الأمر هي المرة الأولى التي يحدث معه هكذا، كانت أحلامه بسيطة جدا لا تتعدى أن يأخذ فطيرة فلافل من ذلك المقهى في آخر الناصية وكان يوم عيده، ولكن اليوم هناك أحلام سوف يحققها فما لديه من مال يحقق له ذلك.



