
يشكّل الحادي عشر من ديسمبر محطة وطنية يتجدّد عندها شعور العُمانيين بالفخر والامتنان لقواتهم المسلحة، فهو يوم لا يمر كغيره من الأيام لأنه يحمل في جوهره رسالة عميقة عن العلاقة المتجذرة بين الوطن ورجاله الذين نذروا حياتهم لحمايته، إن الاحتفاء بيوم القوات المسلحة مناسبة يسترجع فيها الوطن مسيرة طويلة من البناء والتضحيات فهو ليس مجرد تقليد سنوي يُستعاد بحكم الزمن، مناسبة وطنية يؤكد خلالها أن العزة والأمان اللذين ينعمان بهما المواطنون اليوم هما ثمرة جهد أجيال متعاقبة من العسكريين الذين أدّوا الأمانة بإخلاص وشرف، وقد ارتبط هذا اليوم منذ بداياته بجهود تأسيس جيش قوي وحديث في عهد جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ الذي أدرك مبكرًا أن بناء الدولة العصرية يتطلب ركائز راسخة للأمن والدفاع، فكان اهتمامه بتطوير المؤسسة العسكرية نهجًا مستدامًا لا يتوقف عند حدود التحديث التقني أو زيادة عدد القوات، بل يتعداه إلى إعداد الإنسان العسكري القادر على مواجهة أعباء الدفاع الوطني، وواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ المسيرة ذاتها برؤية تواكب التحولات المتسارعة في مفهوم الأمن العالمي، مؤكدًا على الجاهزية الدائمة وضرورة تعزيز القدرات الدفاعية ورفع كفاءة الكوادر الوطنية.
وعندما تستعيد عمان في هذا اليوم تاريخ قواتها المسلحة، فإنها تقف أمام منظومة كاملة من الصنوف العسكرية التي شكّلت على مدى العقود الماضية سياجًا يحمي الوطن ويضمن استقراره، فالجيش السلطاني العُماني، برمزيته ودوره التاريخي، يعد حجر الأساس في الهيكل الدفاعي للدولة، لقد شهد هذا الجيش تطورًا نوعيًا في التدريب والتسليح، وأصبح اليوم مؤسسة تعتمد على مناهج عسكرية حديثة، وأساليب متطورة في الإدارة والجاهزية، ما جعل أداءه يعكس أعلى درجات المهنية والانضباط، أما سلاح الجو السلطاني العُماني، فقد أصبح عين الوطن التي لا تغفل، بفضل قدراته المتقدمة في مراقبة الأجواء وتنفيذ المهام الجوية المتنوعة، أثبت السلاح جدارته في حماية المجال الجوي، كما شكل ركيزة مهمة في العمليات الإنسانية، سواء عبر عمليات الإسناد الجوي أو نقل المساعدات خلال الأنواء المناخية، لقد أصبح هذا السلاح عنصرًا لا غنى عنه في منظومة الأمن الوطني، يجمع بين القوة العسكرية والدور الإنساني.
وفي المجال البحري، تقف البحرية السلطانية العُمانية كحارس أمين لمياه البلاد وحدودها البحرية الممتدة على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ومع تعاظم التحديات المرتبطة بالأمن البحري، من مكافحة التهريب إلى حماية السفن التجارية، أثبتت البحرية حضورها القوي من خلال جاهزيتها وخبرتها في التعامل مع مختلف الظروف، مما عزز موقع السلطنة كدولة آمنة ومستقرة في محيط إقليمي شديد الحساسية، كما تبرز قوة السلطان الخاصة والحرس السلطاني العُماني كقوتين نوعيتين تتجلى فيهما أعلى مستويات الاحترافية والدقة في الأداء، وقد اضطلعتا بمهام دقيقة تتطلب مهارات خاصة وسرعة استجابة، مما جعلهما جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الوطني، وركيزة مهمة في التعامل مع المواقف الاستثنائية، ولا يغيب عن هذا اليوم الوجه الإنساني لقوات السلطان المسلحة، فهي بجانب إنها قوة للدفاع فهي شريك دائم في المساندة خلال الكوارث الطبيعية، فقد أثبتت حضورها المشرف في مواجهة الأعاصير والأنواء المناخية التي تعرضت لها السلطنة، وأسهمت في فتح الطرق وإعادة الخدمات، وفي مدّ يد العون للمواطنين والمقيمين دون تمييز، الأمر الذي عزز مكانتها في وجدان المجتمع.
إن يوم القوات المسلحة هو يوم الامتنان لأولئك الذين يقفون على خطوط الدفاع، ويواصلون العمل بصمت وتفانٍ من أجل سلامة الوطن، وهو أيضًا مناسبة لتجديد العهد على أن تبقى المؤسسة العسكرية مثالًا للولاء والانضباط وقوة الإرادة، وأن تستمر في تطوير قدراتها بما يتناسب مع التغيرات المعاصرة، من الأمن السيبراني إلى إدارة الأزمات والجاهزية الاستراتيجية، ومع حلول 11 ديسمبر في كل عام، تزداد مشاعر الاعتزاز في قلوب العُمانيين بهذه المؤسسة العريقة التي ظلت عبر تاريخها درعًا يحمي البلاد ورمزًا لوحدتها وثباتها، إنها لحظة تُجدد فيها الدعوات بأن يحفظ الله عُمان وقائدها، وأن تبقى قوات السلطان المسلحة نموذجًا يُحتذى به في العطاء والانتماء والعزم الراسخ، «وأُقدّم خالص التهاني لكل من كان منتسبًا إلى هذه المؤسسة العظيمة في عطائها، الشامخة بتاريخها المجيد».


