
تخرجت من الجامعة، أحمل معي حلمًا لا يزال غضًّا، كلوحة لم تُكمل ضربات ريشتي تفاصيلها الأخيرة. لم أكن أبحث عن وظيفة بقدر ما كنت أبحث عن حياةٍ تحفظ لي نبض الفن في صدري، عن مساحة أتنفّس فيها دون أن تتبخّر الألوان التي تعلّمت رسمها.
كنت نشيطة، أنشر أجزاءً من عالمي الصغير على مواقع التواصل… رسوماتي، لمحات من يومياتي، ومقتطفات تشبه روحي. لم أكن أحاول لفت الانتباه، بل كنت أحاول ألا أنسى نفسي.
ثم جاءت فرصة: شركة صغيرة، وظيفة مؤقتة، براتب لا يُغري، لكنه يمنحني شعورًا بأني بدأت أول خطوة. ذهبت لأبي وأخواني… كنت أظن أن الفرحة ستتكاثر، لكن وجوههم كانت جامدة. قالوا: لا سيارة، لا أمان، لا حاجة للعمل في شركة خاصة.
لكن أمّي، بحدسها العميق وصبرها الطويل، قالت كلمات قليلة، لكنها غيّرت مجرى الحديث:
“بنتي تبي تشتغل… نخلي جارتنا توصلها، وأنا أضمنها.”
وهكذا، بدأت الرحلة.
كل صباح، كنت أركب السيارة كمن يصعد إلى طابقٍ من طموحه. في العمل، كنت أتعلم، أتلوّن، أراقب، أرسم حين أستطيع، وأخفي ارتباكي خلف ابتسامة تعلّمت أن أضعها حين أكون ضائعة.
مرت الأيام، ولم أكن أدري أن الأمواج التي بدت هادئة كانت تهيّئني لرياح قادمة.
في مساء يشبه كل المساءات، جاءت عمتي، وجلست كأن في قلبها رسالة مؤجلة. تحدثت مع أبي عن خالد، ابنها. يعمل في وزارة حكومية، محترم، ويريد زوجة من “الأهل”.
مجرد هذا… لكنه كان كافياً ليوقظ قلبي من سباته.
عدتُ من العمل، ووجدت أبي وإخواني بانتظاري. بدأوا الحديث عن خالد، عن طيبته، صلاته، احترامه لأخواته. شعرتُ وكأن القرار اتُّخذ، فقط بانتظار توقيعي عليه.
لكن أبي، رغم كل شيء، تعوّد أن يستشيرني.
أما أخي الكبير، فقال بجملةٍ جافة لا تزال تعبر أذني:
“ما عندنا بنات تفكّر.”
في المقابل، ارتفعت همسة محمد، أخي الأصغر، وهو يُحاول أن يمنحني حقّي في الحياة:
“خليها تاخذ راحتها… هذا حياتها.”
لن أنسى تلك الجملة، كانت كبابٍ صغير انفتح في آخر الممر.
مرّ أسبوع وأنا أُقلب الأمر بين يديّ قلبي وعقلي. لم أكن أحلم بزواجٍ مفاجئ، لكن الفكرة بدأت تنمو بهدوء. طلبت من أبي لقاء خالد، ووافق.
في ذلك اللقاء، كان خالد جالسًا أمامي… يشبه الصورة التي رسموها عنه، لكن بظلٍ باهت. لم يكن ذلك الهدوء الذي وصفوه، بل توتر مبلّل بالشك.
هاتفه لا يهدأ. عيناه لا تستقرّان. وعندما فتحت معه موضوع الفحص الطبي قبل الزواج، شحَب وجهه قليلًا.
لم يقل لا… لكنه لم يقل نعم.
في ذلك المساء، شعرت بانقباضٍ غريب في صدري. شيءٌ ما كان يتحرك بداخلي… شيء يشبه الخوف، لكنه أعمق. لم أنم. فقط ظللت أنظر إلى سقف غرفتي كأنني أبحث عن إجابة مرسومة بين الشقوق.
وفي اليوم التالي، جلستُ مع أبي، وقلت له بثقةٍ ناعمة:
“أنا موافقة، لكن بشرط… لازم نفحص قبل الزواج.”
هزّ رأسه، بعينين فيهما حزم ورضا:
“أكيد… هذا حقّك، وما حد له حق يمنعك.”
حدثت صديقتي المقربة، طبيبة في قسم الفحص قبل الزواج. كانت صوت العقل والرحمة في آنٍ معًا.
قالت لي:
“الفحص مش مجاملة ولا روتين… هو بوابة نور. يكشف الوراثي والمعدي، يحمي أولادك، ويحميك قبلهم. واللي يخاف من الفحص، يخفي شيء.”
تشبثت بكلماتها.
في يوم الفحص، ارتديت عباءتي وكأنني أرتدي درعًا. كنت خائفة، نعم، لكن داخلي يقف بكل أناقته. دعوتُ دعاءً غريبًا، لم أحفظه من كتاب، لكنه خرج من قلبي صافياً:
“يارب… اكشف لي، ولا تتركني أمشي عمياء.”
مرت أيام الانتظار ببطء كأنها تمضغ الوقت.
ثم… جاءت النتيجة.
قالوها ببساطة:
“خالد… مصاب بالإيدز.”
لم أصرخ. لم أبكِ. لكن شيئًا داخلي انكسر بصوتٍ لا يسمعه أحد.
كنت واقفة وسط لوحة، وفي وسطها لون غريب لا يشبه باقي الألوان.
هل كان يعلم؟ هل حاول إخفاءه؟ هل تردّد أن يخبرني؟
لا إجابة.
ولا جدوى.
اتصلت بصديقتي. قالت لي كلمات تُشبه ضوء الصباح بعد عاصفة:
“أنتِ ما خذلتِ أحد… بالعكس، حميتِ نفسك. الوعي مش ضعف، هو حبّ ذات.”
عدتُ إلى غرفتي، ورميت نظري على ركن فرشاتي. الألوان ما تزال مكانها، لكني شعرت أنني لن أرسم اليوم.
جلست، تنفّست، وسكبت نفسي بهدوء.
النهاية؟
ربما لم تأتِ بعد…
وربما بدأت من هنا.



