
كان الصمت المخيم كالعادة بين “خليل” وذلك الرجل، هيئته تنبؤ عن رجل حكيم تعلم من الحياة الكثير، لحية مستديرة يشوبها شيء من البياض وبشرة أثرت بها الحياة بظروفها القاسية، ولكنها تخفي خلفها وسامة بأنف دقيق وطويل وجسم ممشوق وبنية جسدية تظهر القوة والعنفوان. أخذ نفسا عميقا ثم أخرجه وكأنه أخرج معه كل هموم الدنيا التي يحملها داخله، وشرع في الحديث، اسمي “هيثم” ولدت في أسرة طيبة والدي تعب على تربيتي أنا وأخوتي، تنهد تنهيدة خفيفة، ولكنني كنت أشقى الأبناء لديه، بذل الكثير في إصلاحي، ولكنه فشل، والسبب مني وليس منه.
– ماذا تقصد بانك كنت أشقى الأبناء؟
– لم أترك عملا لم أقم به، كل شيء يخطر على بالك قمت به، دخلت في مشاكل مع أهلي ومع أهل الحي الذي أسكنه وأصبحت سمعتي سيئة لا أحد يذكرني بالخير، وفي النهاية أعلن والدي التبرء مني.
– لهذا خرجت من المكان الذي كنت تعيش فيه وجئت إلى هنا؟
– لا، الموضوع أكبر من هذا بكثير، نحن في بداية القصة، وأنت في عجلة للوصول إلى النهاية “يضحك بصوت مسموع وفيه شيء من الحزن المكبوت”.
– طيب أكمل، أنا هنا من أجل أن أسمعك.
– نتيجة تمردي، وصل بي الحد أني أدمنت على الكحول، وقد دخلت السجن لذلك، ولكن لفترات قصيرة ومتباعدة وكل ذلك لم يؤثر في حتى أتراجع وأرتدع، والسبب الأول مني وثانيا الصحبة السيئة التي أحاط بي تلك الفترة. وفي يوم حدث أمر لم يكن في الحسبان كلفني الكثير، وكان مختلف عن الأمور التي كنت أقوم بها.
– ماذا حدث؟
سكت لحظة وأطرق رأسه وبدأت الدموع تسيل من عينيه، حتى أن الكلمات وقفت ولم يتمكن من إخراجها، حاول، ولكنه فشل، وضع “خليل” يده على ظهره ومسح بها عليه محاولا تهدئته، عبثا قام بكل ذلك فلم يتمكن من فعل إي تغير في نفسية “هيثم”، وتحولت الدموع إلى صياح ونحيب يكاد أن ينفطر له القلب. تأثر “خليل” بذلك ودخل في نفسه شيء من الندم فلو لاه ما حدث كل هذا، مع محاولاته في زرع الثقة به من جديد حتى يسترجع قدرته على الحديث، وبعد صمت طويل قال: لقد اعتديت على قاصر “وهو يضع يده على وجه يخفيه خجلا من ذلك”. لم يقابل “خليل” كل ذلك إلا بشيء من الصمت والتروي حتى يجعل من تلك اللحظة المحرجة تمر وكأنها لم تحدث، في داخله يريد أن يعرف التفاصيل، ولكنه أثر الصمت فقط سأله: وماذا حدث بذلك؟
– دخلت السجن لمدة خمسة عشر سنة، قضيتها وأنا أحسب الدقائق والساعات والشهور والسنوات مضى نصف عمري وأنا هناك بين تلك القضبان، طوال تلك الفترة لم يتكرم علي أحد من أسرتي بالسؤال عني، كنت مدفونا وأنا حي.
– أكيد كانت طويلة!!
– في الأيام الأولى نعم، ولكن بعدها تأقلمت مع الأمر واستسلمت للوضع الذي وضعت فيه نفسي لم يجبرني أحد على فعل تلك الأشياء، شعرت بالعار وندمت، ولكن كان ذلك متأخرا.
– مهما يكن خمسة عشرة سنة ليس بالشيء الهين كما قلت نصف عمرك كنت خلف تلك الأجدر العالية، وما جعلها كذلك ابتعاد أسرتك وأهلك عنك حتى بالسؤال.
– السنة الأول كانت شاقة علي لم أتعود الجلوس في مكان، كنت كثير الحركة من مكان لآخر، ولكن في السجن وأن تحركت تكون الحركة محددة ومحسوبة وتحت عين الحرس، تعبت كثيرا حتى أتأقلم مع الوضع ليس برغبتي وإنما ملزم بذلك.
– ماذا فعلت بعد ذلك حتى تتعايش مع الوضع الجديد؟
– السجن مدرسة إصلاح حقيقية لمن يريد أن يصلح نفسه ويتغير للأفضل بعد ما ينهي فترة محكوميته، استغليت السنوات الباقية في تعليم نفسي، فقد كنت فاشلا بالدراسي ليس لضعف بي، ولكن لتقصيري وإهمالي.
– ما شاء الله، لأي مرحلة وصلت؟
– أنهيت الثانوية وبمعدل جيد، وحفظت شيئا من القرآن الكريم، وأتقنت بعض المهارات التي يتدرب عليها المساجين وبعد أنقضاء الخمسة عشر سنة خرجت أحمل الكثير من الآمال والطموح بأن أكون شخصًا آخر.
– وأنت كنت بالفعل رجل آخر.
– مع أنني قضيت تلك المدة الطويلة في السجن وتغيرت ملامحي وشاب شعر رأسي ولحيتي حتى أن الناس لم يتعرفوا علي إلا بعد ما قلت لهم أنا “هيثم” كانت الصدمة لي، بدأوا ينظرون لي بعين الاستهزاء والاستحقار، ولا يرفعون أعينهم علي، وهم يذهبون اسمعهم يتهامسون هذا الذي اعتدى على فلان وسجن، الله يكفينا من شره.
– معقولة الناس لم تنس حتى تسامح وتغفر!!
– مطلقا، حتى عندما كنت أمر في الطريق كانوا يبعدون أولادهم عن الدرب التي أمر بها وكأني أحمل داء معديا.
– وكيف كان استقبال أسرتك لك؟
– لم أكن انتظر منهم أفضل مما وجدته من الناس، طرقت الباب وخرج لأي أحد أخوتي نظر إلى ثم أغلق الباب ودخل يصرخ: لقد عاد “هيثم”. تلك الصرخة ترددت في البيت وكأنه هزيم ساحبة سوداء تحمل الدمار لمن فيه، ظللت واقفا خلف الباب، انتظر ماذا سيحدث لي، فجأة فتح الباب وإذا بوالدي وقد تقدم به عمر يصرخ بي صرخت سمعت من أطراف الحي: إياك أن تدخل هذا البيت، هذا بيت طاهر وأنت دنسته، كنا في راحة وأنت في السجن، لا نريد أن نلوث أرض بيتنا بقذارتك، أذهب من حيث أتيت. تلك الكلمات كانت صادمة لي لأنها فاقت كل توقعاتي، دخل وأغلق الباب في وجهي بقوة لم أجد معها إلا الرجوع.
يقترب “خليل” من “هيثم” الحقيقة أنا لم أتوقع كل هذه المعاناة موجودة في داخلك وكل هذا الهم يسيطر على ذاتك، كنت أظن أن الأمر هين وبسيط وقصتك ليست بهذه المأساة التي سمعتها الآن، المهم كيف وصلت لهذا المكان؟
– خرجت من الحي الذي أسكنه باحثا عن مكان آخر لا أحد يعرفني فيه، وكان نصيبي أن أكون هنا، عندما كنت أتردد بين الطرقات لا أعرف أحدا وجدني أحد الذين يقطنون في هذا البيت وعرض علي أن أحضر معه.
– وبكل سهولة وافقت.
– لم يكن لدي خيار آخر، جئت وأقمت هنا وعشت حياتهم حياة البؤساء الذي يعيشون فقط لأجل الحياة دون أهداف تذكر.
– لا تقل هكذا “هيثم” أنتم جزء من هذا المجتمع ولكم حقوق كما أن عليكم واجبات.
– كما قلت لك، هذه شعارات نطبل لها والواقع يختلف، أنا لم أجد عملا لأني صاحب سوابق ولو ذهبت لأخطب امرأة أتراها توافق علي بعد أن تعرف قصتي، ولو تزوجت وانجبت أولاد أتظن المجتمع ينسى من أنا أو تظل وصمة عار تلاحق أولادي، كلام مجرد كلام.
ينهض “خليل” لأنه لا يجد ردودا لتلك التساؤلات التي طرحها “هيثم” ويستأذن منه ليعود لبيته وأسرته فقد تأخر عليهم كثيرا، يقف “هيثم” مودعا “خليل” أرجو أن يكون الحديث الذي دار بيننا أن يظل بيننا، كنت في حاجة للحديث، شكرا لك. يخرج “خليل” وهو يحمل من الهموم أكثر من التي كانت في داخله وهو قادم إلى هنا، لو كان يعلم أن كل هذا سيحدث ما كان قدم على هذه الخطوة فهي ابعدته عن الهدف الذي جاء من أجله وصارت لديه أهداف أخرى ربما يضع لها خطط وحلول.
وصل “خليل” منهك القوى إلى بيته وكانت زوجته في انتظاره فقالت له: أحضر لك العشاء، أنت منذ أخذت الشاي لم تأكل شيئا.
– نعم، سوف استحم قليلا أجدد نشاطي، وبعدها أتناول العشاء، هل أكلت أنت؟
– طبعا لا، مستحيل آكل وأنت غير موجود.
يضحك “خليل” في داخله وهو يفتح باب الغرفة، وبعدها يتناول ملابس داخلية جديدة، ويقول في سره: لا أدري من أين نزل على زوجتي كل هذا الحنان!! من هناك تصرخ عليه: اسمعك، كلماتك في أذني، لا يهتم، وهي ذهبت حتى تجهز مائدة العشاء له. أثناء ذلك تحدث نفسها: المحقق كونان، لدية علبة حديدية ماذا بها؟ ربما وجد كنزا، معقولة وجد كنزا ولم يتحدث، سوف أسأله على العشاء. يخرج “خليل” ويجلس ويطلب منها أن تسكب له كوب شاي ويبدأ في تناول طعام. كانت “آمال” ترمقه بعينيها وفي شفتيها حديث لا تريد أن تبدأ هي خوفا أن يغضبه ذلك فانتظرت حتى يتكلم هو. لم يدم ذلك طويلا فقال لها: شكرا على العشاء زوجتي الغالية، سلمت يداك.
– عوافي يا رب، أريد أن أسألك قبل لا تذهب وتغسل يديك؟
– تفضلي، ما السؤال الذي لا يتأخر؟
– العلبة التي كانت في حضنك وأنت داخل فيها كنز، بابتسامتها الصفراء المعتادة.
– لا، ليس بها كنز، تلك العلبة بها أغراض “شامس” وغدا سوف أفتحها.
– وننتظر حتى غد ! ربما بها مبالغ مالية أو ذهب.
ينهض ويذهب إلى المغسلة وبعدها يمر عليها وهو متجه إلى غرفته: سوف أذهب إلى الفراش وأنام، إذا صحوت قبلي لصلاة الفجر لا تنسيني كالعادة.
جاء الصباح وذهب “خليل” إلى المسجد لإداء صلاة الفجر، وبعد الصلاة ذهب إلى الشيخ “عمر” وأخذه على زاوية في المسجد دار بينهما حديث طويل حتى من كان جالس في المسجد كانت لديهم الرغبة لمعرفة ذلك الأمر الذي يدور بينهما، فقد كانت صوتهما يعلو أحيانا ويخفت مرات أخرى وكثير من الإيماءات الجسدية بينهما، ولكن لم يفهم أحد شيء من الحديث، مع شروق الشمس ينهضان ويتجه كل منهما إلى بيته على أمل اللقاء مرة أخرى. يدخل “خليل” إلى بيته ويذهب مباشرة إلى غرفة نومة ويحضر تلك العلبة التي أحضرها الليلة الماضية ليكتشف ما تحويه، تحس به زوجته وتتحرك إليه وتقول له: غير معقول أن تفتح العلبة في غياب المساعد الخاص بك “وتضحك” ينظر إليها ويتجاهل حديثها الذي تعو عليه، يزيل “خليل” تلك الغطاء من على فتحها ويسكب ما بها على حجره ويبدأ في فرز ما تمخضت عنه العلبة.
– ماذا وجدت فيها؟
– لا شيء مجدر أوراق وعملات نقدية وبعض قصاصات من الأوراق.
– تلك القصاصات هل هي فراغ أم بها كتابة؟
– لحظة، وكأنه وجد في تلك القصاصات شيء يشده ويطلب منها الانتظار.
– تكلم، ماذا بها تلك الورقة؟
ينهض “خليل” واقفا بعد أن جمع ما كان على حجره ويعيده إلى رحم العلبة من جديد، لم يتكلم وزوجته تنظر إليه لفترة طويلة، وهو ينظر إلى تلك الورقة، ولكنه بدون حديث ولا حركة فقط نظرات استغراب إلى تلك الورقة التي بيده، لم تتحمل “آمال” الانتظار وهي تقف وتقترب منه حتى ترى ما كتب على الورقة: “خليل” ماذا يوجد على تلك الورقة جعلك تصمت ولا تتحدث معي؟
– لا شيء مجدر كلمات غير مفهومة.
– أنت لم تفهما ربما أنا استطيع أن أعرف ما تخفيه تلك الكلمات “تحاول أن تأخذ الورقة من يده” ولكنه يصرخ بها بقوة: أترك الورقة، لا تدخلي نفسك في شيء لا يخصك.
– طيب، أعتذر منك كنت أرغب في مساعدتك.
– لا تزعلي من تصرفي سوف أخبرك ما في الورقة لاحقا.
بعد ذلك الموقف تغادر “آمال” المكان وتتركه مع ورقته وعلبته، يستقر على الكرسي الذي كان بجواره ويقلب الورقة من جديد ويعاود البحث في العلبة لعله يجد شيئا آخر، ولكن لا شيء إلا هذه الورقة وما تحتويه، يغلق العلبة كما كانت ويدس الورقة في جيبه ويخرج من البيت، عند خروجه ينادي على زوجته: أنا خارج، وقد أتأخر قليلا فلا تقلقي. سمعته، ولكنها لم ترد عليه. خرج “خليل” إلى مكان هو قد حدده أو ربما الورقة التي بيده هي من قادته إلى ذلك المكان.



