الثقافي

الماء… روحٌ خفيّة لا تُدركها الأبصار ولا العقول…فماذا يقول أولو الألباب ؟.

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

من منا لا يسعى إلى الماء؟ وأي كائن يمكنه العيش بدونه؟ فكل حيٍ ترتبط حياته به، ولو كان في الرمق الأخير من الحياة فإنه يتوق إلى الماء ليختمها به… إنه مخلوق يحمل الروح لينعش كل روح… فلماذا الماء؟

أولًا: الماء أصل الخلق

الماء هو أول الخلق، وسر الحياة، وأقرب الموجودات إلى معنى “كن فيكون”. منه انبثقت الأكوان، وبه تشكلت الأجرام، وفيه نفخت الحياة في الجماد، فتجلَّى الأمر الإلهي في سائلٍ يحمل الروح والسر معًا.

ليس الماء مادة فحسب، بل هو روح التكوين وذاكرة الوجود. في كل قطرة منه ذبذبة من نور، تحفظ ما جرى في الكون منذ اللحظة الأولى للخلق. وكأن الله تعالى جعله لوحًا شفافًا يسجل آثار الأمر الإلهي في الكائنات؛ يسمع، ويعي، ويشهد، وإن أنكر الإنسان شهادته.

ثانيًا: الماء والوجود

لقد علمنا القرآن أن أصل الحياة من الماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. ولم تكن هذه الآية مجرد تقرير بيولوجي، بل كشف روحي عن أن الماء هو الوسيط بين الغيب والشهادة؛ بين روح الله وأجساد خلقه، بين السر الأزلي والمظهر العابر.

ثالثًا: التحول والمرآة

وإذا تأملت الماء في حالاته الثلاث – سائلًا، وبخارًا، وجليدًا – أدركت أنه مرآة للوجود في تحولاته: فالصلب كالأرض، والسائل كالنفس، والبخار كالروح. كل طور منه يعلن وجهًا من وجوه الوجود الإلهي في المخلوقات.

رابعًا: ذاكرة الماء وسماعه

الماء يسمع، كما سمعت حجارة موسى النداء، وينطق بلغة لا تفهم إلا بالقلب الخاشع. تراه ساكنًا في ظاهره، لكنه يحمل في أعماقه حركة الأكوان؛ في جريانه حكمة، وفي سكونه وجدان، وفي تبخره صعود الروح إلى أصلها.

وقد كنت برفقة أحد أحبائي، حين أخذني إلى منطقة طرابزون في شمال تركيا، وذهب بي إلى منبع أحد الأنهار هناك، حيث خرير الماء بلحن قديم، كأنه يعزف لغات الكون منذ الأزل.

تلك السيمفونية الساحبة بنغمات الماء المنسكبة من ثلوج قمم الجبال الشامخة، وهي تصطدم بالصخور، تُسَرِّح بالعقل في ملكوت الله وسكرات التدبر في هذا الكون وما حواه.

وإذا أطلت الجلوس والاستماع، لم تكن لتريد مغادرة المكان. وما كان مني إلا أن سجلت تلك الأصوات بهاتفي، ورجعت إلى مسقط برأس في عُمان، وقد أخذت على عاتقي في بعض الليالي أن أستمع إلى صوت الماء؛ كأنما أستمع إلى ذكر خفي يجدِّد في نفسي معنى الحياة والسكينة.

هو الذي يجري بيننا ككلمة الله في الخليقة، ويعود كلما نادى الغيم اسمه إلى السماء. فلا عجب أن جعله الله طهورًا يطهر الجسد والروح معًا؛ إذ لا شيء يطهر مثل ما يحمل النقاء الأول في أصل الخلق.

خامسًا: الروح في الماء من منظور قرآني

في القرآن اقترن الماء بالحياة، ولكن الحياة ليست مجرد نبض، بل وعي أولي، هو مبدأ الكون وبذرة الإدراك. الماء يكون حيث يريد الله أن يكون الخلق، فهو موضع الأمر الإلهي ومهبط الإرادة الغيبية.

فيه سر خفي لا تدركه الحواس، لكنه محمَّل بأثر الإرادة الإلهية. فالماء ليس مجرد مادة تحيي، بل نية الخلق قبل أن يخلق، وذكرى الكلمة الأولى التي انطلقت منها الأكوان.

ماذا تجد في الماء؟

· نية الخلق قبل أن يخلق
· أثر الكلمة الأولى المسجلة كذبذبة في ذاكرته، والتي أطلقت الوجود
· الاهتزازات الروحية التي تلتقطها أجهزتنا الحديثة، ولكن هناك كائنات بجوار الماء تشعر بها قبلنا
· الروح الصامتة التي ليست شخصًا، ولكنها تحرك الحياة
· سر الحياة الكامن، لا يرى لكنه يصنع كل ما نراه

فإذا تأملت قطرة ماء واحدة بعمق، فإنك لا ترى سائلًا فقط، بل ترى ذرة من عالم الغيب، ونفحة من إبداع الخالق العظيم، يتجلى فيها اسمه البديع. قطرة محملة بسر الحياة، تراها صامتة لكنها شاهدة على الكون ورب الكون، فيها روح غير مدركة وخلق خفي.

سادسًا: الماء شاهد الخلق الأول

كل نقطة ماء تحمل سجلاً غير مرئي لما مرت به: صوت، بكاء، حرارة، جسد، نور، فجر، همس روح… فالماء هو الشاهد الصامت على قصص الحياة، بل على أوامر الله للوجود.

والعلم الحديث بدأ بالكاد يلمس هذه الحقيقة، لكن القدماء عرفوها بالذوق لا بالمجهر. فالمسلم يشرب الماء ليشكر الله لا ليرتوي فقط، والعابد يغتسل به لا ليزيل التراب، بل ليغسل القلب من عوالق الغفلة.

فالماء نور سائل في قلب الخلق، ليس عنصرًا فقط، بل قانون كوني حي، في بدء الخلق قبل أن تتكون الأرض والسماوات. “وكان عرشه على الماء”. فهل تأملت ذلك؟

قبل وجود الزمان والمكان، قبل النور والظلمة، كان عرش الرحمن وكان الماء. فالماء هنا ليس سائلًا فحسب، بل تجلٍّ أولي للوجود، ومرآة القدرة الحاملة لأمر “كن”. إنه مصدر العناصر، الكلمة الصامتة التي بها تبعث الحياة، وبدونها يبقى الخلق جمادًا لا نبض فيه.

الماء والبعد النبوي

الأنبياء – عليهم السلام – ما استعملوا الماء إلا بشيء من التقديس، إذ أدركوا أنه ليس مجرد عنصر من عناصر الوجود، بل روح إلهية تسري في الأكوان.

نوح عليه السلام: كان الماء عنده أمرًا إلهيًا يحمل الهلاك والنجاة في آن واحد. لم يكن الطوفان عقابًا فحسب، بل كان آية رحمة وغضب معًا، يغسل الأرض من الفساد ليمنحها ميلادًا جديدًا لمن آمن بالله.

موسى عليه السلام: فلَق البحر ومشى عليه كما يمشي على يقين لا يضطرب، فكان البحر له انفلاق نجاة ولأعدائه انطباق هلاك. الماء أطاع الأمر الإلهي، فانقسم إلى طاعة لأهل الإيمان وكارثة لأهل العصيان.

عيسى عليه السلام: بارك الله في الماء بين يديه، وجعل فيه بأمره الشفاء، حتى كان المريض إذا اغتسل به شفي، كأنما شرب من نور لا من ماء. فكان الماء في رسالته واسطة رحمة تنبع من روح الله.

محمد ﷺ: انفجر الماء من بين أصابعه، لا كمعجزة فحسب، بل كرسالة خالدة أن النبي ﷺ يحمل سر الخلق، فيعيد الحياة بيده بإذن الله. وقال العلماء: “ما انفجر الماء من بين يديه إلا لأنه وصل الماء بمنبع الماء الأول، نور الله.”

الماء والملائكة

أما الملائكة، فالماء في عالمهم تسبيح لا يفتر. تروى آثار روحانية أن الملائكة تكتب أعمال كل فرد منها على صفحة من ماء قبل أن تنقش في اللوح، وأن لكل قطرة من المطر ملكًا مأمورًا بمكانها وزمانها وقدرها، لا تنزل إلا بأمر مكتوب.

والماء في السماء أطهر وأرقى، تحمله ملائكة الرحمة حين ينزل، فيسري في الأرض كرسالة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.

الماء والإنسان

وأما نحن البشر، فإننا نظن أننا نلمسه ونشربه ونغتسل به، لكنه في جوهره أوسع من رؤيتنا وأعمق من إحساسنا. الماء لغة صامتة بين الغيب والوجود، وآية من آيات الله العظمى، تلبس ثوب السيولة ولكنها تحمل في داخلها قصدًا إلهيًا ونفسًا كونيًا ووعيًا قبل الوعي.

الروح التي لا يدركها الإنسان ليست كروحه، لكنها حضور رقيق لا يرى ولا يمس، خيط بين العالم العلوي والعالم السفلي، فيه تسبيح لا تدركه الأذن ولكن تشعر به الكائنات.

الطيور تشرب الماء فتغني مسبحة، والأرض تمتصه فتهتز وتثمر، والجنين في رحم أمه يسبح فيه مطمئنًا، فسبحان من أودع في الماء أمانًا أزليًا.

الماء ذكرى لذوي العقول، أثر من حضن كوني قديم نسيته الإنسانية في وعيها، لكنه حي في أعماقها. يحمل رسائل صامتة مكتوبة من لدن حكيم عليم، تختزن ذراته أثر كل من مر به، في كل قطرة ذاكرة الزمان والمكان والنية والمشاعر، كأنها رسالة من عالم لا يقال فيه شيء، لكنه يفهم لمن استمع بقلبه لا بأذنه، وببصيرته لا ببصره.

ذكرى الطفولة

وأنا أستذكر طفولتي في قريتي اللمّاع الوديعة وتوأمتها علاية إبراء الحاضنة، حين كنا نجري تحت انسكاب المطر من جو السماء، والغمام يتهادى برحمة الله. كنت أرى الناس – نساءً ورجالًا وشيوخًا وأطفالًا – يبارك بعضهم بعضًا قائلين: “نعمتوا بالرحمة”، وأدركت يومها أن أعظم ما في الماء ليس كونه مادة حياة، بل كونه وسيط الرحمة الإلهية.

والماء لا ينزل بعنف بل برحمة، يسيل في الأرض ليحييها، ويجبر لا ليكسر، يسكن الجسد فيطفئ ألمه، ويطهره ليطمئن روحه.

وحين ننظر إليه بعين الجسد نراه سائلًا، وحين ننظر إليه بعين القلب نراه حاملًا لسر الكينونة، ذاكرة لخلق قبل الوعي، وروحًا صامتة تخاطب الأرواح لا الآذان.

إن ما في الماء من خلق وروح غير مدرك ولا موصوف، لكنه يستشعر، أثر من الله البديع في الخلق العظيم. ومن العجب أنه أول ما يسقى للإنسان حليبًا، وآخر ما يطلب قبل الموت…

الحمد لله على نعمة الماء، وجعلنا ندرك آية من آياته الكبرى. فالحمد لله حتى يبلغ الحمد جميع محامد الله وملء الكون، وبعدد مثاقيل الذرات وجزيئات الثواني، وبعدد ما كتب في اللوح المحفوظ، بأن جعلنا مسلمين وخصنا من بين الأمم بأن نكون من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ونسأله سبحانه أن يتوجنا لنكون من زمرته ورواد حوضه وجيرانه في الجنة.

بوركتم… ومنكم الدعاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى