الثقافي

الكتابة فعل مستمر.. لكنها لا تزدهر وحدها

النصوص الواعدة تبحث عمّن يعتني بها

كتب: محمد الزعابي

في زوايا الحروف، تنبت مواهب شابة تحمل بين سطورها الكثير من الشغف، وأحلامًا لا تزال تبحث عن مساحة لتتنفس. لكن بين الرغبة في التعبير والقدرة على الوصول، تقف تحديات تتفاوت في حدّتها، لكنها تشترك في تأثيرها على مسيرة الكاتب.

في هذا الحوار، نسلّط الضوء على تجارب عدد من الكتّاب العمانيين، نستمع إلى أصواتهم وهم يتحدثون عن البدايات، وعن المحطات التي مروا بها، ما أضاء الطريق، وما جعله صعبًا في بعض الأحيان.
هي محاولة لفهم الواقع الأدبي من الداخل، بكل ما فيه من أمل وصعوبات، بحثًا عن إجابات لسؤال بسيط وعميق: ما الذي يحتاجه الكاتب اليوم ليستمر؟

التحديات المؤسسية

في محاولة للعبور نحو القارئ، يصطدم الكاتب بإجراءات النشر، وشروطه. فهل تكفي جودة النص وحدها؟

قد نرى الكثير من الصعوبات التي تعيق إبداعات الشباب حيث لا يأتي من يتبنى مواهبهم ويحتضنها. فما نراه مؤسفًا ولا يتعلق الأمر في رفض النصوص، بل في تضعيفها، وهي في كل الأحوال نصوص لأقلام واعدة، يجدر تبنيها ورعايتها.

تجد أن الممر الذي يربط بين بعض الناشرين للنصوص الأدبية، سواء كان عبر النشر المباشر على الصحف الإلكترونية والورقية أو الكتب الصوتية والمجلات بكل أنواعها، والذي سيوثق الكاتب من خلاله فكره ويَسعد بانتشاره، قد أصبح من الصعوبات التي تشترطها بعض الصحف. وفي حقيقة الأمر، لا توجد شروط، بل اجتهادات شخصية تفضل كاتبًا على آخر، حتى ولو كان المنشور مشروعًا بحثيًا يفيد القارئ.

التوقف والانقطاع

الكتابة رحلة طويلة، لكنها ليست دائمًا ممهدة. بعض الكتّاب يواجهون لحظات تردّد، وربما انقطاع، في ظل غياب التحفيز والدعم.

قد تجد الكاتب العماني في بدايته طامحًا، يترقب أن تصل نثرياته للقارئ الذي يحيي النصوص التي استخرجها من أعماق قلبه بعد اعتصار ذهني شاق، متشبثًا ببصيص الأمل الذي وجده فيها، وبينما يسير نحو تحقيق أهدافه، هناك ثمة وقفات تسبب له صعوبات كثيرة.

من خلال تواصلي مع زملاء الأقلام الواعدة، رأيت الإحباط يعتريهم، وما تأسفت له حقًا إصرار بعضهم على عدم مواصلة الكتابة، مبررين لي جملة من الأسباب تجعلهم يعزفون عن رحلتهم في عالم الكتابة.

الكاتبة مريم الشيدي: “أحيانًا أجد أن المحيط الذي نكون فيه غير محفز، وهذا ما يجعلني أقرر الانسحاب عن الكتابة، التي كنت أجد فيها متنفسًا كبيرًا لأتحدث عما بداخلي. وهذا ما جعلني أترك كل شيء يخص القراءة والكتابة، فنحن نحتاج لشخص داعم لكتاباتنا، غير محبط لنا.”

غياب التحفيز والدافعية

حين يُقاس النجاح بالأرقام لا بالمحتوى، يجد الكاتب نفسه في منافسة غير عادلة. فهل ما زالت جودة الفكرة تهم؟

الكاتب خلف المعولي: “التجاهل الاجتماعي للكاتب مقارنة بالتقدير المبالغ فيه لمن يتصدرون المشهد لمجرد امتلاكهم الآلاف من المتابعين، وغياب محفزات الاستمرار، سواء كانت مادية أم معنوية، فلا يُعقل أن يقضي الكاتب أشهرًا ممتدة في الكتابة بلا انقطاع من أجل تأليف كتاب لا يعود عليه بمنفعة ملموسة.”

الكاتب علي المقبالي: “من أهم صعوبات الإبداع لدى الكاتب ضعف المساحة القرائية المتوفرة وعدم تسليط الضوء عليها. لدينا الصحف الورقية التي قل من يقتنيها ولا تجد قراءها إلا من قبل فئة محدودة من المجتمع، وحتى لو تمت قراءتها فإن المساحة المخصصة ضيقة ولا تستوعب إلا كُتّابًا محدودين فقط. كذلك ضعف البرامج التسويقية للكاتب، فكم من الأدباء أصحاب الأقلام الرفيعة لا أحد يعرفهم ولم ينتشر اسمهم بالطريقة المثلى، وذلك لضعف التسويق لهم لأنه مكلف ماديًا. فمن يأخذ بيد الكاتب؟ هذه الأمور تجعل الكاتب لا يستمر في مسيرته الأدبية، والأجدر أن يتم دعمه ماديًا ومعنويًا، والمساواة بين الكتاب، فالجميع يستحق الاهتمام.”

ما بين الإبداع والصراع

رغم كل العوائق، لا تزال هناك أصوات تحاول، وتقترح، وتؤمن بأن المشهد الأدبي يمكن أن يكون أفضل. فقط لو أُتيحت له المساحة.

الكاتب سلطان الشيباني: “الكاتب العماني يتأرجح بين الإبداع والتوقف، لكنه سرعان ما يجد نفسه وفيًا للسطور، فقد ولد الكاتب بين حروفٍ بهية ينبثق نورها من عبق الماضي وأصالة التاريخ، ليجد الهوية العمانية ملاذًا للإبداع. غرس الكاتب العماني جذور إبداعه على أرضٍ ثقافية راقية الفكر، وظل يقاوم رياح الصعوبات التي تهب من كل جانب، إلا أن الوفاء للكلمات يرفض أن تقتلع جذور الإبداع، ليعيش الكاتب في صراعٍ مستمر بين الاستمرار والتوقف. لم تكن المحطات التي وجدها الكاتب ملبية لكل ما يحتاج، وظل يدعو رب العرش ألا يجف حبر قلمه، وأن يجد رغيف خبز فكريًا يمكنه من البقاء حيًا بين الكتب. هل من وهج فكر يمهد طريق العابرين لرفع اسم الوطن من بوابة الكلمات؟ وهل من خيط أمل يتعلق به الكاتب ليبقى في سماء الإبداع؟”

المنافسة والمستقبل

الكاتبة سرى الصائغي: “هناك العديد من التحديات التي تعيق استمرار الكاتب في مسيرته الإبداعية، ومن أبرزها المنافسة الشديدة مع المحتوى الرقمي السريع، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات السمعية تستحوذ على انتباه الجمهور، مما يقلل الإقبال على الأدب المكتوب. كما أن عزوف بعض القراء عن الكتب الورقية يضع الكاتب في حيرة حول الوسيلة الأفضل لنشر أعماله والوصول إلى جمهوره المستهدف. بالإضافة إلى ذلك، يعاني الكثير من الكتاب من النقد، الذي قد يؤدي إلى فقدان الدافع لمواصلة الإبداع. كما تشكل صعوبة تحقيق دخل مستدام من الكتابة تحديًا كبيرًا، خاصة في ظل ضعف سوق النشر، مما يدفع البعض إلى التوقف عن الكتابة أو البحث عن بدائل أكثر استقرارًا.”

الكاتبة عبير الشبلية: “الكاتب الناجح يعرف جمهوره جيدًا، فيكتب ما يلائم فكره واهتمامه، ودائمًا لا يتردد في البحث والتعلم وتطوير محتواه، لكن في المقابل، يواجه بعض الصعوبات المجحفة بحقه من قبل غير المحفزين، مما يقلل ثقته بقدراته الكتابية.”

الكاتبة سالمة الراشدية: “الكتابة من أهم المهن في سجلّ التاريخ، لقد ولدنا في بحر الأبجديات، فتاريخنا حافلٌ بالعلماء والشعراء والأدباء على مرّ العصور. الصعوبات التي تعترض الكاتب العماني مختلفة؛ فمنهم من يجد أن دار النشر تفتقد الامكانية لإدارة كتابه، ومنهم من يرى أن المال هو العائق، وآخر يرى أن قلة الفئة القارئة وتكدس إصداراته تمنعه من مواصلة الكتابة. أقترح على الجهات المعنية دعم الكاتب العماني ماديًا ومعنويًا، وتخصيص إجازة تفريغ من العمل لمواصلة إبداعه، إضافة إلى توثيق نتاجه الأدبي لضمان المصداقية. أتساءل دائمًا، هل سيظل الناشر بعيدًا عن إبداعات الكتّاب؟ وهل فكر قبل أن يعلن قرار رفضه للعمل الأدبي؟ إن الكاتب له مشاعر وأحاسيس عميقة، وبسبب هذا المكمن بداخله نثر كل ما عنده من خفايا، ليصوغها للقارئ بكامل أناقتها، ويجد من يتجاهل ذلك النشاط، وكأنه لم يجتهد في البحث والتقصي.”

خاتمة:

ربما لا توجد إجابات جاهزة لكل ما طُرح، لكن الذي تبيّن من هذا الحوار أن الكاتب ليس مجرد ناقل للكلمات، بل هو إنسان يعيش تفاصيل الحرف ويقدّم جزءًا من ذاته مع كل نص يكتبه. ولأن الكتابة فعل يحتاج إلى بيئة، فإن دعم الكاتب – معنويًا وماديًا – لم يعد ترفًا، بل ضرورة، إن كنا نطمح إلى مشهد ثقافي حيّ.

فمن حق الكاتب أن يرى أثر صوته، وأن يشعر بأن ما يكتبه يجد طريقه نحو قارئ مهتم، وناشر محفز، ومجتمع يُدرك أن الكلمة لا تنمو في الفراغ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى