الثقافي

الكتابات الصخرية وتوثيقها لماضٍ لم ينسَ

محمد بن حمود بن شيخان الكلباني

تعزيزا لما يثرينا به المدوّن والناقل المتخصص في اكتشاف الآثار المنحوتة في جنبات صخور وادي الحيملي المهندس حميد بن راشد بن حميد الراجحي حول الكتابات المنقوشة بطريقة الحفر في صخور الأودية والجبال وبين دروب وطرقات المشاة . كان لي معه لقاء خاص بتاريخ ١٥ ذي الحجة ١٤٤٤ هجرية الموافق ٠٣ يوليو ٢٠٢٣ م

لقد شرفني بزيارة أخوية في منزلي بالموالح ، كالعادة تناولنا موضوع الكتابات الصخرية وما يقوم به حاليا من جهد تسجيلي رائع ، مبرمج وموثق صوت وحركة ،صورة بواقعه الحي . ينشره عبر وسائل التواصل الحديثة (السوشيال ميديا ) والنشر يدور حول العالم المهتم بالٱثار التاريخية والسواح بوجه خاص ، بيني وبين المهندس حميد قاسم مشترك حول الموضوع بالرغم من تفاوت سنّينا وطول السنين الماضية بين اكتشافي لتلك الكتابات وشواهد القبور.

عندما ما كان سنّي فوق العاشرة من العمر ودونها كنت كثير التردد بين بلدتي حيل الغافة وبلدة الظويهر بسبب الإرتباط العائلي مع قبيلة المعاركة في الظويهر . كلما مرت بي الدرب وسط مقبرة ظاهر زنف وشرجة الجيف تقودني الدرب بين القبور ، كأي طفل أو شاب أتشبث بالأشياء برغبة التعرف على ما ورائها من المضامين . هناك لفت نظري وجود الألواح الجميلة ناعمة الملمس مكتوب عليها بالخط المعتاد تعلمناه في مدرسة تعليم القرآن الكريم بعيدا عن كتابة الرسّام أو النسّاخ المعروفين في ذلك العصر.

طالت بي سنين العمر أحمل هم معرفة تلك الكتابات وماهياتها وكيف وجدت ومن أي المواد من الحجر الربابي كما يسمى محليا أو من مشتقات الحديد . أذهلني جمال الألواح غريبة الإتقان في الصنع مقارنة بوضع المنطقة النائية وسط الأودية وشوامخ الجبال .

على طول السنين صرت أفكر وأتأمل الألواح الغريبة، حتى ظهرت صحوة التعليم في العصر القابوسي وانتشاره في ربوع وأرجاء السلطنة ، حينها بدأت أبحث عن الشباب المحليين المهتمين پشؤون التاريخ ، بين هنا وهناك عرّفني البعض بالصديق حميد الراجحي وبدأنا نتبادل الأفكار حول ماهية تلك النقوش والرسومات . ولم أكن أجيد قراءة الكثير منها. بعكس المكتوب في الشواهد الملقية فوق وبين القبور من حيث لم تكن مثبتة عموديا كما ينبغي .كانت واضحة الكتابة وسهلة القراءة للقارئ المبتدئ.

عشت في المنطقة لأكثر من خمسين سنة ولم أسمع أحدا يذكر تلك الكتابات أو يشير الى الشواهد واضحة المشهد بارزة الوجود تقبع بين الطرقات . لولا تلك الكتابات لن نعرف شيئا عن المعارك الطاحنة التي حدثت بين قبيلة وهيبة وأهل نجد في أكثر من معركة وقتل شيخ وهيبة في الأولى وانكسر النجديون في المعركة الثانية، ولا عن غزو الأتراك بقوة أربعمائة خيال وقتل الناس في المنطقة وأسر سبعين صبيا في عام ١٠٢٠ هجرية و ١٦١١ ميلادي قبل ثورة الإمام ناصر بن مرشد.

ولن نعرف شيء عن الكوارث الطبيعية أو عوز الناس بين المد والجزر . وغلاء المعيشة ورخصها حسب التقلبات السياسية والحروب . . اليوم قد نتعجب إذا قيل لنا أن بلدة حيل الغافة لوحدها خسرت خمسمائة نخلة والحيملي ثمانمائة نخلة وكذلك في بلدة حاجر بني عمر تهدمت ثلاثون بيتا من بيوتها وبقى أهلها بلا مأوى وتحركت الصخرة الكبيرة لبضع ا أمتار يجرها تيار جرفة الوادي المسماة بجرفة صفر وذلك في شهر صفر لعام ١٢٥٢ هجرية

الشكر كله ثم الترحم على أرواح من دوّن تلك الأحداث بالنقش في الحجر خارج المألوف من القرطاس.

وقبل ذلك الشكر ثم الشكر الجزيل للصديق الحميم حميد بن راشد بن حميد الراجحي على اهتمامه بتراث وتاريخ المنطقة وبلورة المشاهد للتعريف المحلي والزائر من الخارج من حيث لم يقتصر اهتمامه بين الكتابات الصخرية وشواهد القبور بل طال به المطاف باهتمامه في ترميم بيت عائلته تحت مسمى البيت العود وجعله من أشهر معالم المنطقة مزدانا بالأدوات التراثية في صورة المتحف المحلي . هكذا علمتنا سياقات الأحداث عن عيشة السلف وما كانوا يتمتعون به من ثقافات محلية يدونون بيانات الأحداث في صم الحجر ليبقى بطبعه المرسوم الى الأبد . علمونا أن وادي الحيملي منطقة ربط بين الباطنة والظاهرة وذات أهمية كبرى احيانا تكون مصيدة تقهقر الغزاة المعتدين.

مصدر الصور:الباحث حميد بن راشد الراجحي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى