القيادة التحويلية ودورها في تحقيق التمييز المؤسسي في المؤسسات التربوية
تسعى المؤسسات التربوية في العصر الحديث إلى تحقيق التميز المؤسسي كأحد أهم متطلبات الجودة والفاعلية، ويُعد أسلوب القيادة التحويلية من أبرز المداخل القيادية التي تسهم في تحقيق هذا الهدف. إذ يركز هذا الأسلوب على إلهام الأتباع وتحفيزهم، وتمكينهم من تطوير قدراتهم، بما ينعكس إيجابًا على الأداء الفردي والجماعي. تهدف هذه المقاله إلى بيان مفهوم القيادة التحويلية وعناصرها ومهاراتها، وارتباطها المباشر بالتميز المؤسسي في المؤسسات التعليمية. فالقيادة التحويلية تُعد أداة استراتيجية لتحقيق الابتكار، وبناء ثقافة مهنية مستدامة، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات، بما يسهم في ترسيخ التميز المؤسسي وضمان استمرارية نجاح المؤسسات التربوية.
إن التميز في الأداء التربوي لا يتحقق إلا من خلال تبني أنماط قيادية فاعلة قادرة على إدارة التغيير ومواجهة تحديات التطوير. وقد أسهمت نظريات الإدارة الحديثة في إثراء الحقل التربوي بأساليب قيادية متنوعة، من أبرزها القيادة التحويلية التي ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين كاستجابة لحاجة المؤسسات الأكاديمية إلى الفاعلية والقدرة على مواكبة التغيير (Barling, Weber & Kelloway, 1996). وتكتسب هذه القيادة أهميتها في المؤسسات التعليمية من قدرتها على إلهام الأفراد، وتحفيز الإبداع، وتعزيز ثقافة التميز.
أولًا: مفهوم القيادة التحويلية
اختلف الباحثون في وضع تعريف موحد للقيادة التحويلية، نظرًا لتعدد زوايا النظر إليها. فقد عرفها برنز (Burns, 1979) بأنها عملية حث القادة للأتباع على تبني سلوكيات معينة لتحقيق أهداف مشتركة تُلبي حاجات وتطلعات الطرفين. كما أشار الشوابكة والشلبي والخوالدة (2018) إلى أنها نمط قيادي يقوم فيه القائد بتحفيز مرؤوسيه عبر تطوير قدراتهم وإقناعهم بأهمية أعمالهم، بما يعزز الولاء المؤسسي واستمرارية الأداء.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن القيادة التحويلية تمثل نهجًا قياديًا يركز على الإلهام والتحفيز لتحقيق أداء متميز، وتعزيز ثقافة الابتكار والالتزام التنظيمي.
ثانيًا: عناصر القيادة التحويلية
حدد أفوليو ووالدمان ويامارينو (1991) أربعة أبعاد أساسية للقيادة التحويلية، تتمثل في:
1. التأثير المثالي (الجاذبية): تجسيد القائد لدور القدوة الملهمة.
2. الإلهام: القدرة على تحفيز الفريق للعمل بروح التحدي والمسؤولية.
3. التحفيز الفكري: تشجيع التفكير النقدي والإبداعي لإيجاد حلول مبتكرة.
4. الاعتبار الفردي: الاهتمام باحتياجات الأفراد وتنمية قدراتهم عبر التواصل الفعّال.
وقد أوضحت عبدالعال، السمات المصاحبة لأبعاد القيادة التحويلية في الشكل التالي:
ثالثًا: مهارات القائد التحويلي
يتطلب نجاح القيادة التحويلية توافر مجموعة من المهارات، منها: الرؤية المستقبلية، الإبداع والابتكار، العدالة والمرونة، القدرة على التغيير، وتنمية الذات والآخرين. كما يتميز القائد التحويلي بقدرته على بناء بيئة إيجابية قائمة على الثقة، مما يعزز انتماء العاملين للمؤسسة ويحفزهم على العطاء.
رابعًا: التميز المؤسسي في المؤسسات التربوية
يُعد التميز المؤسسي هدفًا استراتيجيًا تسعى إليه المؤسسات التعليمية، حيث يمثل القدرة على توظيف الموارد البشرية والمادية بكفاءة عالية لتحقيق أفضل النتائج (السلمي، 2002). ويتطلب تحقيق التميز المؤسسي وجود قيادة فاعلة قادرة على صياغة الأهداف، وإدارة الأداء، وتعزيز ثقافة التطوير المستمر، بما يضمن استدامة النجاح وتحقيق رضا أصحاب المصلحة.
خامسًا: العلاقة بين القيادة التحويلية والتميز المؤسسي
تشكل القيادة التحويلية مدخلًا أساسيًا لتحقيق التميز المؤسسي في المؤسسات التربوية، ويتجلى ذلك في عدة محاور:
– تحفيز المعلمين وتنمية مهاراتهم: إذ تركز القيادة التحويلية على تمكين المعلمين وإشراكهم في اتخاذ القرار، مما يعزز من قدرتهم على الإبداع ويقوي ثقافة العمل التعاوني (المري، 2023).
– تعزيز ثقافة الابتكار: حيث يشجع القائد التحويلي التفكير الخلّاق وتبني أساليب جديدة في التدريس والتعلم، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للمؤسسة.
– بناء الرؤية المشتركة: من خلال توجيه العاملين نحو أهداف استراتيجية واضحة، بما يضمن توحيد الجهود وتحقيق الاستدامة.
– تحقيق جودة الأداء: عبر تفعيل منظومة القيم المؤسسية وتنمية الالتزام التنظيمي، مما يرفع مستوى الفاعلية والتميز في المخرجات التعليمية.
و لقد حدد “ليثوود Leithwood “ثلاث أهداف جوهرية للقيادة التحويلية المدرسية يلتزم بها بها مدير المؤسسه التعليمية على النحو التالي:(Leithwood & alet 1992,178 )
– دعم فريق العمل علي تطوير وتحقيق ثقافة مهنية: ويعني ذلك أن فريق العمل يالاحظ، ويخطط، ويشجع على التحسين المستمر للمدرسين وذلك بتعلمهم بكيفية التدريس بطريقة أفضل.
– مساندة المعلمين في حل مشاكلهم بطريقة أكثر فاعلية: حيث إن القيادة التحويلية تحفز المعلمين علي الاتدماج في نشاطات جديدة لأن فريق العمل بالمؤسسة التعليمية كمجموعة يستطيع تطوير حلول أفضل عن قيام المدير بذلك بمفرده.
– تدعيم تنمية المعلم: حيث إن القيادة الفعالة تساعد على تنمية المعلمين، وتعزيزهم من خلال توفير بيئة جيدة تسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف الخاصة بالنمو المهني للمعلم، ولذلك يتم تنمية المعلمين وتعزيزها عن طريق إعطوائهم دور إيجابي في حل مشاكل المؤسسة التعليمية غير الروتينية بهدف تحقيق الإصلاح المدرسي، والتأكيد علي وضوح الاهداف وواقعيتها.
يؤكد “توماس سيرجيوفاني” Seregiovani Tomas على أهمية القيادة التحويلية وامكانية تطبيقها في المؤسسة التعليمية، وذلك لعدة اعتبارات يمكن إجمالها فيما يلي: (خلف 2010)
– أنها قيادة فنية تتضمن أساليب إدارية على درجة عالية من الأهمية
– الحاجة إلى إعداد الطاقات الفردية والاجتماعية من اجل نشر المعرفة الناتجة عن الخبرة بالعمل في المؤسسة التعليمية.
– الحاجة إلى القيادة الرمزية Leadership Symbolic مع التركيز عى الأهداف والسلوكيات المهمة.
وقد أشارت (المقحم 2020) بأن القيادة التحويلية أسلوباً حديثاً يجب الوعي بأهمية ممارسته بسبب ما تواجهه المدارس من مستحدثات وتحديات وضغوط متزايدة تتطلب وجود فريقاً من المعلمين يستطيعون التغلب على تلك الصعوبات بمساعدة مديرهم التحويلي من خلال تطبيقه لأبعاد القيادة التحويلية بتأثيره الإيجابي عليهم واستثارة تفكيرهم لتقديم أفكار إبداعية والهامهم لزيادة الدافعية والحماس لديهم وتعزيز مقد ا رتهم الفردية وتمكينهم
بتهيئة كل السبل من أجل أداء أفضل بالعمل بكل الظروف المستجدة.
ويعد نموذج كوتر من أهم النماذج للانتقال بالمؤسسات التربوية إلى نماذج القيادة التحويلية )1995 ,Kotter )والمكون من ثماني خطوات تتركز في الشعور بإلحاح عملية التحول نحو القيادة التحويلية وأنشاء تحالف قوي لدعم التحول، ووضع الرؤية والرسالة والهدف، وايصال الرؤية إلى جميع الأطراف المعنية، وتمكين الآخرين من أجل تنفيذ الرؤية، والتمكين ، يضاف إلى ذلك وضع خطة قصيرة الأمد لتنفيذ التغيير، ويضيف أن أي برنامج تغييري يتطلب منذ بدايته وحتى نهايته أن يشعر القائمون عليه بالتحفيز، مع إضفاء الطابع المؤسسي على النهج الجديد، ففي هذه المرحلة يجب التأكد من أن السلوكيات الجديدة تضرب بجذوها في ثقافة المنظمة. (المعيقل، 2015م)
وتهداف القيادة التحويلية في المجال التربوي الى :
• حل المشكلات التي يتعرض لها المعلمون بطرق أكثر إيجابية من الطرق التقليدية: تجنب الالتزام بحلول محددة مسبقاً، وآراء واعتبارات شخصية، مع ضرورة الاستماع بشكل فعال للآراء المتباينة والعمل على توضيحها.
• مساعدة فريق العمل المدرسي على تطوير وتشكيل ثقافة مهنية: من خلال وضع أهداف تعاونية مشتركة تسعى لتحقيقها، ومشاركة الآخرين بتفويض السلطة إلى فريق العمل ليكون قادراً على التحسين والتطوير.
• تعزيز الدافعية لدى المعلمين: ويتم تسهيل ذلك من خلال ارتباطها بأهداف المدرسة والنتاج فيها، مما يولد لديهم شعوراً بالالتزام بها (الأضم، 2021: 1000).
الخاتمة
تؤكد الأدبيات التربوية أن القيادة التحويلية تمثل أداة فعّالة لتحقيق التميز المؤسسي في المؤسسات التربوية. فهي تعمل على تحفيز الأفراد، وتعزيز قدراتهم، وتبني ثقافة الابتكار، بما يسهم في مواجهة تحديات التغيير وضمان استدامة النجاح. وعليه، فإن تبني المؤسسات التعليمية لهذا النمط القيادي يُعد مطلبًا استراتيجيًا لتعزيز مكانتها وتحقيق رسالتها بكفاءة.
المراجع
Barling, J., Weber, T., & Kelloway, E. (1996). Effects of transformational leadership training on attitudinal and financial outcomes: A field experiment. Journal of Applied Psychology, 81(6), 827–832.
Burns, J. M. (1979). Leadership. New York: Harper & Row.
Leithwood, K. & et al. (1992). Transformational Leadership and School Restructuring. Paper presented at the International Congress for School Effectiveness and Improvement, Victoria.
الشوابكة، عبد الله؛ الشلبي، عبد الكريم؛ الخوالدة، عبد الله (2018). القيادة التحويلية وأثرها في تطوير الأداء الوظيفي.
السلمي، علي (2002). إدارة التميز وتقنيات الإدارة في عصر المعرفة، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة.
المري، محمد (2023). القيادة التحويلية في المؤسسات التعليمية.
المقحم، بشرى (2020). مستوى تطبيق أبعاد القيادة التحويلية لدى قائدات المدارس في الخرج، مجلة العلوم التربوية.
الأضم، مروة عصام (2021). درجة ممارسة مديري المدارس الثانوية للقيادة التحويلية، مجلة ابن خلدون.



