
إنّ للقراءة متعةً ولذّةً لا يعلمها إلا من أبحر في عوالم الكتب، بين رائحة صفحاتها وعوالمها الوفيرة؛ فهي نورٌ لظلمة الجهل، ومصباحٌ يرشدك إلى طريق الخير الواسع. وإنّ أبلغَ وأجملَ بيانٍ وقولٍ في ذلك ما كان عند نزول الوحي، عندما جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول ﷺ وهو يتعبّد في الغار، فقال له مخاطبًا: *اقرأ*، فقال الرسول ﷺ: *ما أنا بقارئ*، وما زال يردّدها عليه حتى قرأ.
ولا ترقى أمةٌ من الأمم ما دامت لا تتعلّم، ولا تأخذ بيد أبنائها نحو القراءة والتعلّم. وقد قيلت كثيرٌ من الأقوال والعبارات عن القراءة، منها من وصفها بأنّ الذي لا يقرأ لا يرى الحياة بشكلٍ جيّد؛ فالقراءة تهبك العلوم والمعارف، وهي سُلّمٌ يصعد بك إلى النور.
فعلى سبيل المثال، عندما تقرأ سيرة شخصيةٍ مميّزة، فإنك تختصر سنواتٍ طويلة عاشها صاحبها، وواجه فيها ما واجه، وما مرّ به من تجارب، وقد جُمِعت كلّها في غلاف أحد الكتب الرائعة. وقد قرأتُ مقولةً جميلةً للكاتب **محمد الرطيان** في كتابه *وصايا*، يقول فيها:
«بإمكانك أن تشعر بصقيع موسكو، وتشمّ رائحة زهور أمستردام، وروائح التوابل الهندية في بومباي، وتتجاذب أطراف الحديث مع حكيمٍ صينيٍّ عاش في القرن الثاني قبل الميلاد؛ بإمكانك أن تفعل كل هذه الأشياء وأكثر عبر شيءٍ واحد: القراءة».
وهناك عبارةٌ أخرى قرأتها لأحد الكتّاب المهتمّين بالقراءة، الكاتب **نعيم الفارسي**، يقول فيها:
«القراءة تنقلك من عالمك الضيّق إلى عالمها الفسيح الرحب، حيث تجد معها الفائدة والمتعة والرقي». وقد ذكرت في كذا مناسبة عن أهمية القراءة *« أنها تروض قلمك كما يروض الفارس فرسه»*، وقد قرأت عن ابن المقفع أنه عندما يتحدث أو يكتب يتوقف كثيرا ،فسئل عن ذلك فقال: “إن الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيره “. بمعنى أنه ليس عاجزاً عن أن يكتب أويتحدث بل هو حائر في الإنتقاء من العبارات أجملها ، هذا من كثرة قراءته وإطلاعة .
وقد ذكرتُ في أكثر من مناسبةٍ أهميةَ القراءة، وأنها «تروّض قلمك كما يروّض الفارس فرسه». وقد قرأتُ عن ابن المقفّع أنه كان، عندما يتحدّث أو يكتب، يتوقّف كثيرًا؛ فسُئل عن ذلك، فقال: «إنّ الكلام يزدحم في صدري، فأقف لتخيّره».
والمقصود من ذلك أنّه لم يكن عاجزًا عن الكتابة أو الحديث، بل كان حائرًا في انتقاء العبارات أجملَها وأدقَّها، وهذا إنما كان من كثرة قراءته وسعة اطّلاعه
ومهما كُتب عن القراءة من مقالات، فإنها تظلّ جوهرةً ثمينة، وقمّةً إدراكها لا يبلغها إلا من يُمارسها، ويستمتع بالترحال بين جنبات الأوراق، والسفر في عوالمها.


