الثقافي

“القانون في الحضرة اليوسفيّة”.. قراءة تشريعية بجامع السلطان قابوس ببهلاء تستنطق أصول القواعد الجنائية من النص القرآني

بهلا – التكوين

أقيمت بجامع السلطان قابوس بولاية بهلاء محاضرة تخصصية قدمها الدكتور خليفة بن سيف الهنائي بعنوان “القانون في الحضرة اليوسفيّة”، استعرض خلالها الأبعاد التشريعية والجنائية العميقة في سورة يوسف، مع ربطها بالنظم القانونية المعاصرة وقانون الجزاء العماني.

استعرض الهنائي مؤامرة إخوة يوسف بوصفها جريمة مكتملة الأركان، حيث جسد قوله تعالى: “اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا” مفاهيم التحريض والتخطيط الجنائي. وأوضح أن المسؤولية القانونية تتوزع بين الفاعل والمحرض الذي يرسم تفاصيل الجرم، مؤكداً أن العقوبة تتساوى بينهما في التشريعات الحديثة.

كما استنبط من المشاورة التي سبقت التنفيذ وجود “سبق إصرار”، وهو ظرف مشدد يعكس إعداد العدة للجريمة في حالة من الهدوء النفسي. ووصف قول الإخوة “وتكونوا من بعده قوماً صالحين” بأنه “الباعث على الجريمة”، وهو مفهوم قانوني لا يمنح الشرعية للفعل الجرمي مهما كانت الغايات المدعاة.

توقف المحاضر عند حادثة القميص الملطخ بالدم، معتبراً إياها محاولة لـتضليل العدالة عبر ما يعرف بـ”التزوير المعنوي” الذي يهدف لإعطاء انطباع كاذب عن الواقعة. وأشاد بمنهجية نبي الله يعقوب في التثبت، حيث تعامل بعقلية الخبير الفني حين استدل بسلامة القميص من التمزق على كذب الرواية، داعياً إلى ضرورة إعمال العقل والتروي قبل إصدار الأحكام الاجتماعية أو القانونية.

وفي سياق متصل، استعرض مشهد براءة يوسف في بيت العزيز كنموذج لـشهادة الخبرة، حيث اعتمد الشاهد على قميص يوسف (من قُبُل أو دُبُر) كدليل مادي قاطع، وهو ما يوازي في عصرنا الحالي دور المختبرات الجنائية والطب الشرعي في حسم القضايا بناءً على الأدلة الملموسة.

وناقش الهنائي مدى حجية الاعتراف، موضحاً أن القاعدة التي تقول إن “الاعتراف سيد الأدلة” قد تكون مضللة في بعض الأحيان، إذ قد يعترف الشخص تحت ضغوط معينة أو لتنجية آخرين، مما يتطلب تعزيز الاعتراف بقرائن أخرى.

كما تطرق إلى قضية الاعتقال التعسفي والانحراف بالسلطة، مشيراً إلى سجن يوسف رغم ظهور أدلة براءته. وشدد على أن إساءة استخدام السلطة من قبل المكلفين بتنفيذ القانون تخلق شرخاً في جدار العدالة، محذراً من أن الظلم عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة.

وفي الجانب الإداري، استخلص مبادئ الحوكمة من قول يوسف: “اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ”، حيث اجتمعت الأمانة (حفيظ) مع الكفاءة المهنية (عليم). ووصف خطة مواجهة السنين العجاف بأنها تطبيق تاريخي مبكر لـقانون الطوارئ، يعتمد على الإدارة الرشيدة للموارد وتوزيع المسؤوليات بدقة لضمان أمن المجتمع واستقراره.

اختتمت المحاضرة بالتأكيد على أن سورة يوسف تمثل دستوراً متكاملاً في العدالة والكرامة، داعيةً إلى التمسك بالقيم الإنسانية والعفو، مع ضرورة تعزيز الوعي القانوني والبحث العلمي في النصوص المقدسة لاستنباط ما ينظم حياة الناس ويحفظ حقوقهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى