
عند النقطة التي يتعانق فيها بحر العرب مع بحر عُمان، تولد رأس الحد كأنها نبض في قلب الجغرافيا، متكئة على الحدّ الفاصل، ومفتوحة على شروق لا يشبهه شروق.
هناك، في تلك البقعة الهادئة من رأس الحد، تبدأ الشمس أولى خطواتها على أرض الشرق الأوسط، وكأنها اختارت هذا المكان دون سواه ليكون مهد النور.
رأس الحد ليست مجرد نيابة، بل هي قصيدة مكتوبة برملٍ ذهبيّ، وهواءٍ معتدل، وماءٍ لا يهدأ. أجواؤها تتقلّب برقة لا تؤذي: صيفها بارد تحت رياح “الكوس”، وشتاؤها دافئ حين تأتي نسائم الشمال زائرة. يزورها الناس للاستجمام، لكنهم يعودون منها بأكثر من راحة الجسد.
يعودون بشيء من السكينة، من تلك النبضة التي لا تُنسى حين ترى البحر يتمدد أمامك وكأنه صدرك المفتوح.
ما تزال زيارتي الأولى لها عالقة في ذاكرتي، حين كنا صغارًا في رحلة مدرسية انطلقت من الساحل بمدينة صور منتصف الثمانينات. ركبنا باص المدرسة، نحمل حقائب بلا ألوان، لكن داخلها قلوب مشتعلة بحب المغامرة. لم نكن ندري أن الرحلة التي كان يُفترض أن تكون لمشاهدة السلاحف، ستتحول إلى ذاكرة نخبّئها في قاع الروح.
كنا نضحك عندما كان الموج يطش بمياهه على وجوهنا من نوافذ الباص. ملوحة البحر كأنها كانت أول رشفةٍ حقيقية من الحياة. كان صوت الموج، ونشيد المحرّك، وضحكاتنا، تشكل معًا ترتيلة لم نفهمها وقتها، لكنها علّمتنا حب البحر، وعلّقت فينا معنى العودة إليه.
اكتشفنا يومها أن رأس الحد ليست مجرد شاطئ، بل وجهة للسلاحف الخضراء التي تأتي كل عام لتعيد طقس الحياة من جديد. لم نكن ندرك عظمة ذلك الطقس حينها، لكنّ مشهد السلحفاة وهي تخرج من البحر، وتحفر ببطءٍ وإتقان، وتدفن بيضها، ثم تموّه المكان بالرمل، كان أشبه برقصة صامتة لا يفهمها إلا من سكن الهدوء.
وما زالت هذه المحمية، حتى اليوم، تستقبل الزوّار من كل أصقاع الأرض، يأتون ليروا هذا السر العظيم في حياة مخلوقٍ لا يتكلم، لكنه يُعلّم العالم كيف تكون الاستمرارية.
وفي المقابل، يمدّ المجتمع المحلي يده بالتعاون مع هيئة البيئة، ليحافظ على هذا التوازن بين الإنسان والكائنات، بين السياحة والحياة الفطرية، في علاقة يسودها الاحترام والتقدير.
وإذ تصعد نحو اليابسة أكثر، وتقف على تلةٍ صامدة، ستجد حصن رأس الحد شامخًا، حارسًا قديمًا للبحر. سُمّي بهذا الاسم نسبة إلى الموقع نفسه، رأس الحد، أول نقطة تشرق فيها الشمس، وآخر ما تودّعه عند المغيب.
داخل الحصن، تحفظ جدرانه مقتنياتٍ أثرية تعود لعصور مضت، بينما يقف برج “داغس” في الجهة الغربية مثل عينٍ لا تنام، تراقب البحر وتصغي لبوحه.
وفي أحضان هذا المكان، تستقر ذراعان من الماء لا يقلّان سحرًا: خور الحجر وخور جراما.
يُعدّ خور الحجر ميناءً طبيعيًا يستخدمه الصيادون لتحميل القوارب وتنظيفها عند الجَزر، إذ ينحسر الماء ويظهر القاع، كأن البحر ينكشف طواعية لأبنائه. أما خور جراما، فبعمقه واتساعه، ظل عبر التاريخ ملاذًا لقباطنة السفن العابرة من المحيط الهندي، حين كانت الأمواج تزمجر، والعواصف تزأر.
ومع الزمن، تحوّل المكان إلى وجهة سياحية لا تشبه غيرها، يتنوّع فيها المشهد بين طيور وأشجار وتشكيلاتٍ صخرية، وطبيعة تعكس قدرة الله في تفاصيله الصغيرة.
ولا يكتمل سحر المكان دون تلك التجارب التي تحفّز الحواس وتحرّر الروح.
في رأس الحد، لا تكتفي بالنظر، بل تغامر. فركوب الدراجات المائية يُشعرك وكأنك تطير فوق صفحة الماء، وسط أنظمة أمان تجعل المتعة محمية كالسلام.
تستطيع كذلك استئجار قاربٍ والذهاب في جولة بحرية، أو الغوص في عمق البحر لتلمس أسراره بيديك. وقد تخرج صباحًا إلى البحر، فتفاجأ بأسرابٍ من الدلافين تظهر وتختفي، ترقص بحرية، ترسم قوسًا فوق الماء، ثم تغيب، وكأنها كانت تحيةً عابرة من الكائنات الساكنة في الأعماق.
وبحكم موقع رأس الحد كملتقى للبحرين، فهي أيضًا معبر موسمي للأسماك والدلافين والحيتان، التي كثيرًا ما تقترب بخط سيرها من الشاطئ، فتراها عيناك دون حاجة لإبحار. ومن جمال المشهد، نشأت مبادراتٌ شبابية لتنظيم رحلاتٍ بحرية بأسعار رمزية، يعرضونها على الزوار بكل بساطة وكرم، ليشاركوا العالم مشهدًا هم جزء منه.
كلما ابتعدت عن رأس الحد، ستشعر وكأنها تطاردك بجمالها.
ليس لأنها تريدك أن تعود، بل لأنها تعلّق فيك كما يعلّق البحر في ذاكرة بحّار.
قد تزورها مرة واحدة، لكنها تبقى فيك، تذكّرك كلما رأيت شمسًا تشرق، أن هناك مكانًا سبق الجميع إلى النور



