الثقافي

صاحب القرار بين الحكمة والجرأة

صالح بن سعيد الحمداني

الحياة سلسلة من القرارات بعضها نأخذه بثقة وبعضها الآخر نُقدم عليه بتردّد وخوف، لكننا في النهاية نكتشف أن قيمة القرار لا تُقاس دائمًا بصحته أو خطئه، وتُقاس بجرأة اتخاذه وبالخبرات التي نخرج بها من نتائجه، فكما قيل “القرار الخاطئ يضاعف خبرتك، أما القرار الصحيح فيضاعف ثقتك، وفي كلا الحالتين لا تقلق الأهم أن تكون صاحب قرار”، هذه العبارة تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع تحديات الحياة وتؤكد أن الوقوف على الهامش في خوف دائم من الفشل هو الخسارة الحقيقية لا القرار الخاطئ بحد ذاته، لأن من يجرؤ على اتخاذ القرار يجرؤ في الوقت نفسه على مواجهة الحياة بأخطائها وصوابها بأفراحها وأحزانها.

يرى الأغلبية أن القرار الخاطئ مدرسة قاسية ويراه البعض فعلًا قاسية ولكن صادقة فلا أحد يحب أن يخطئ فالقرارات الخاطئة مؤلمة وقد تترك في حياتنا آثارًا لا تُمحى بسهولة ولكنها في الوقت ذاته تُصبح مع الوقت أفضل معلم لنا لأنها تكشف لنا جوانب لم نكن لنراها لولا وقوعنا في الخطأ، القرار الخاطئ يعلمنا كيف نكون أكثر حذرًا في المرة القادمة ويفتح عيوننا على تفاصيل كنّا نتجاهلها ويمنحنا خبرة عملية لا نجدها في الكتب أو النصائح النظرية، كم من شخص بنى نجاحه الكبير على سلسلة من القرارات الخاطئة، حتى أصبحت خبرته حصنًا يحميه من تكرار الأخطاء ويمنحه حكمة لا يملكها من عاش حياة بلا تجارب أو مجازفات.

أما القرارات الصحيحة فهي بمثابة الرياح التي تدفع مركب حياتنا إلى الأمام بثبات، هي التي تمنحنا شعورًا بالرضا عن أنفسنا وتضاعف ثقتنا بقدرتنا على التفكير السليم والتخطيط الجيد، لكن المفارقة هنا أن القرارات الصحيحة نادرًا ما تأتي بلا سلسلة من الأخطاء السابقة، فالحكمة التي تقودنا إلى القرار السليم غالبًا ما تكون ابنة التجارب الفاشلة، وبنت المواقف التي خسرنا فيها الكثير لكننا خرجنا منها بخبرة ثمينة، لذلك القرار الصحيح ليس دليل كمالنا وإنما هو دليل أننا تعلمنا من قراراتنا الخاطئة وأننا لم نسمح للفشل أن يكسر إرادتنا أو يطفئ شغفنا بالمحاولة.

الخوف من القرار خسارة مؤكدة حتمًا كما أن الخوف من الفشل عدوًا فإن الخوف من القرار كذلك بنفس المرتبة، فالكثير من الناس يعيشون في منطقة الرماديات، لا يتخذون قرارات حاسمة خوفًا من الفشل أو النقد أو التغيير، يظنون أنهم بذلك يتجنبون الألم لكنهم في الحقيقة يتجنبون الحياة نفسها، فالتردّد الدائم يسرق من الإنسان أجمل فرصه لأن الحياة لا تنتظر المترددين، ومن لا يجرؤ على اتخاذ قرار، يترك الآخرين أو الظروف تتخذ القرارات بالنيابة عنه وحينها يفقد السيطرة على مصيره ويعيش حياة يشوبها الندم واللوّم، فلهذا الأهم ليس أن تكون قراراتك صحيحة دائمًا وإنما أن تكون أنت صاحب القرار وأن تتحمّل نتيجته وأن تتعلم منه، لأن القرار الخاطئ قد يكون جسرًا نحو قرار أعظم وأكثر نضجًا في المستقبل.

ونجد دائمًا أن شمعة الأمل وسط ظلام الحياة فالحياة ليست قرارات فقط لأنها أيضًا مواجهة دائمة للظلام الذي يحاول أن يبتلع أحلامنا وأفكارنا ولكن كما قيل كل الظلام الذي في الدنيا لا يستطيع أن يخفي ضوء شمعة مضيئة وهذه الشمعة قد تكون الأمل الذي يرفض أن ينطفئ في قلبك أو الحلم الذي تصرّ على متابعته رغم العثرات أو الشجاعة التي تدفعك للمحاولة مرة أخرى بعد كل فشل، ومهما كثُر النقد ومهما ازدادت صعوبة الطريق يكفي أن تحمل في داخلك نورًا صغيرًا من الإيمان بقدراتك، لأن هذا النور وحده كفيل بأن يهزم ظلام اليأس والإحباط تمامًا كما تكفي شمعة واحدة لتهزم عتمة غرفة كاملة.

في نهاية المطاف نستطيع القول بأن القرارات الخاطئة والصحيحة ليست أعداءً متقابلين بل شريكان في بناء شخصيتنا وتجاربنا الخاطئ يمنحنا الحكمة، والصحيح يمنحنا الثقة وكلاهما يصنعان إنسانًا أقوى وأكثر نضجًا ولذلك لا تتردد في اتخاذ القرار ولا تخشَ الظلام الذي يحيط بك ما دمت تحمل في داخلك شمعة مضيئة وإرادة لا تنكسر فالحياة تُصنع بالشجاعة لا بالانتظار، وبالمحاولة لا بالخوف وبالقرارات التي نتعلم منها مهما كانت نتائجها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى