الثقافي

العفو والإعراض فلسفة القوة

صالح الحمداني

في هذه الحياة لن ينجو أحد من ألسنة الناس وأحكامهم الجائرة، سيُقال عنك ما ليس فيك وسيُنسب إليك ما لم تفعل وستُتَّهم بأشياء لم تخطر يومًا في بالك، سيُوجَّه إليك النقد الجارح وقد لا تجد من يقف في صفّك أو يدافع عنك في لحظات الظلم، هذه هي طبيعة البشر وهذا هو واقع الحياة الذي لا يمكننا تغييره مهما حاولنا.

لكن الحكمة الحقيقية تكمن في كيفية التعامل مع هذا الواقع في أن نحافظ على سلامنا الداخلي وسط عواصف الكلام الجارح وألا ندع ألسنة الآخرين تمزّق هدوءنا أو تسلب طمأنينتنا، وقد لخّص القرآن الكريم هذا الدرس العظيم في قوله تعالى ( خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ ) [سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ١٩٩]

منذ القدم لم يسلم أحد من ألسنة الناس حتى العظماء والأنبياء والحكماء، فالبشر بطبعهم يتحدّثون ويطلقون الأحكام دون معرفة ويختلقون القصص أحيانًا دون دليل، البعض يفعل ذلك بحسن نية يكرر ما يسمع دون تحقق والبعض الآخر بدافع الغيرة أو الحسد أو لمجرد التسلية، لذلك من ينتظر إنصاف الناس الكامل أو يتوقع أن يحبه الجميع أو يظن أنه سيعيش دون أن يتعرّض للنقد أو الافتراء فهو يطلب المستحيل، فحتى القمر بجماله وضيائه، لم يسلم من كلام الناس حين شبّهوه بالخسوف والكسوف فما بالك بالبشر؟

القوة الحقيقية ليست في الردّ على كل كلمة تُقال ولا في الدخول في جدالات لا تنتهي لإثبات براءتك أو تبرير مواقفك، ولكن القوة أن تتعلّم فنّ التجاهل أن تترفع عن صغائر الأمور وألا تمنح الجاهلين أكثر من حجمهم، الجاهل حين يجدك تردّ على أذاه يشعر أنه حقق انتصارًا صغيرًا على هدوئك، بينما حين تقابله بالصمت والتغاضي تدفعه إلى مواجهة صدى صوته وحده، بلا جمهور ولا جدل يغذّي غروره، ولم يكن يومًا تجاهل الجاهلين ضعفًا ولكنه قمة القوة، لأنك تختار معاركك بحكمة وتدرك أن وقتك وطاقتك أثمن من أن تُهدر على من لا يستحقون.

الأذى اللفظي والنفسي جزء لا يتجزأ من التجارب الإنسانية لكن التعامل معه يحتاج إلى قلبٍ واسع يعرف قيمة العفو، فالعفو هنا تحرّرًا من مشاعر الغضب والكراهية التي تثقل الروح وليس استسلامًا، حين تعفو عمن أساء إليك فإنك لا تفعل ذلك من أجله وإنما من أجل نفسك لأن الغضب إذا بقي في داخلك تحوّل إلى عبء يسرق راحتك ويعكّر صفو حياتك، أما العفو فيحررك من هذه الدائرة المظلمة، ويمنحك صفاءً داخليًا يجعلك أكبر من الأذى وأقوى من الجراح.

لماذا لا يجب أن تبتئس؟ سؤال جميل فعلًا… فحين يتحدث الناس عنك بسوء قد تشعر بالخذلان والحزن، خصوصًا إذا جاء الأذى من أشخاص كنت تظن أنهم يعرفونك جيدًا، لكن الحقيقة أنك لن تستطيع منع الآخرين من الكلام لأنك ببساطة لا تملك السيطرة على ألسنتهم، ما تملكه فقط هو رد فعلك هو قرارك بأن تحافظ على هدوئك، وألا تدع كلماتهم تحكم يومك أو تسرق طاقتك، فالسفينة لا يغرقها البحر من الخارج بل الماء الذي يتسرّب إليها من الداخل، وكذلك الأذى لا يحطّمك إلا إذا سمحت له أن يتسرّب إلى قلبك.

الإعراض عن الجاهلين لا يعني الانسحاب من الحياة أو قبول الظلم ولكنه يعنى أن تختار معاركك بعقل وأن تركّز على ما يبنيك لا ما يهدمك، إنه موقف إنساني راقٍ يحفظ كرامتك ويمنحك رفعة عن الانحدار إلى مستوى السباب والشتائم، فكلما ارتفع الإنسان بأخلاقه ضاق وقته عن الصراعات التافهة، ووجّه طاقته نحو ما يستحق من أهداف وطموحات.

ختاما علمنا …. إنه ستُقال عنك أشياء لم تفعلها وستُنسَب إليك نوايا لم تخطر في بالك وقد لا تجد من يدافع عنك، لكن الحكمة أن تتذكّر دائمًا خذ العفو، وأعرض عن الجاهلين، لأن حياتك أكبر من أن تُهدرها على كلمات عابرة، وقلبك أثمن من أن تملأه بالغلّ والغضب، تجاهل، سامح، وامضِ في طريقك، فالأشجار المثمرة وحدها هي التي تُرمى بالحجارة لكنها تبقى شامخة، تعطي بلا مقابل وتستمر في النمو رغم كل شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى