
يروي أحدُ المديرين التنفيذيين أنه، خلال عمله في إحدى شركات الاتصالات، عُرض عليه ملفُّ موظفٍ ارتكب خطأً مهنيًّا؛ وخطأٌ كهذا يستوجب المساءلة، وقد يفضي إلى الاستقالة.
يقول المدير: دخل الموظف مكتبي وهو على يقينٍ أن قرار إنهاء خدمته قد صدر، وأن لحظة الوداع باتت قريبة، رغم أن خطأه لم يكن مقصودًا. جلس بين يديّ مثقلًا بالقلق، يعتذر بإسهاب، ويشرح تفاصيل ما حدث، حتى إذا فرغ من حديثه، قلت له بهدوءٍ ممزوجٍ بالحزم:
«دعْ هذا كله، واستمع إليّ جيدًا: سأؤجّل الاستقالة، ولكن بشرط؛ أمامك ثمانيةُ أشهرٍ أريد أن أراك فيها في طليعة المنجزين. فهل تقبل التحدي؟»
أجاب على الفور: «نعم، أقبل».
ثم أضاف بصوتٍ يفيض امتنانًا:
«هل تصدقني يا سيدي؟ منذ وقوع الخطأ وأنا أبحث عن عملٍ آخر. هذه الفرصة لن أنساها لك ما حييت؛ فلي أسرةٌ، ولي ابنتان، وليس لي مصدرُ رزقٍ غير هذا العمل».
ومضت الأشهر، فإذا بالموظف يتحوّل إلى مثالٍ في الاجتهاد، ونموذجٍ في الانضباط والعطاء. أطلق طاقاته الكامنة، واستعاد ثقته بنفسه، ولم يعد يعمل خوفًا من فقدان وظيفته، بل وفاءً للثقة التي مُنحت له، وإخلاصًا للمؤسسة التي احتضنته.
فالناجح حقًّا هو من يعتني بالتفاصيل الصغيرة لمرؤوسيه؛ ففي تلك التفاصيل تُبنى جسور الثقة، ويُولد الإخلاص، ويزدهر العطاء.
✧ ومضة ✧
لما أكل سيدُنا آدم، عليه السلام، من الشجرة التي نهاه الله عنها، لجأ إلى ربّه تائبًا مستغفرًا، فوسِعته الرحمة، وقُبلت توبته.
فكيف بنا، ونحن بشرٌ نتعامل مع بشرٍ مثلنا، والخطأ جزءٌ من طبيعتنا، والكمال لله وحده؟
ما أجمل الفرصة الأخيرة!
فقد تُحيي نفسًا كادت تذبل، وتوقظ همّةً كادت تخبو، وتستخرج من الإنسان أروع ما فيه.
قال تعالى:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]..


