الثقافي

العداوة الأبدية

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

منذ اللحظة التي أبى فيها إبليس السجود لآدم، انفتحت في الوجود صفحة جديدة، كُتبت عليها كلمات العداوة الأبدية. عداوة لم تكن وليدة نزوةٍ عابرة، بل قدرًا مكتوبًا في سجلات الغيب، إذ قال الحق سبحانه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36].

ومنذ ذلك الهبوط، صار الإنسان على ثرى الأرض كائنًا ممزقًا بين نورٍ يرفعه وظلمةٍ تجذبه، بين همسة الملك ووسوسة الشيطان. قال الشيخ أحمد الخليلي – حفظه الله – وهو يبين خطورة هذا الصراع: “إن الشيطان لا يملّ ولا يكلّ، وإنما يترصد الإنسان في كل خطوة، فإن وجد غفلة نفذ، وإن وجد يقظة انحسر.” [البيان].

ولذلك كانت الاستعاذة بالله أول حصن، وذكره أول سلاح، واليقين بقدرته سبحانه هو الطمأنينة التي لا تهتز. فالشيطان لا سلطان له إلا على من رضي أن يكون أسيرًا لشهواته. وهنا تتجلى حكمة ابن عربي في قوله: “من عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه عصم نفسه من وساوس عدوه.” [الفتوحات المكية].

غير أن هذه المعركة ليست مجرد صراعٍ عابر، بل هي جوهر رحلة الإنسان على الأرض. يصف ابن الفارض هذا المعنى بقوله: “فبي حُقِّ للآمال أن تتشوفا وبالنفسِ عن وسواسها أن تُصَرفا.” [تائية ابن الفارض].

لقد أدرك الفلاسفة – من الشرق والغرب – أن الشر ليس قوةً مستقلة، بل هو فراغ النور ومجال الغفلة. قال سقراط: “النفس التي لا تمتحن ذاتها تكون نهبًا للباطل.”، وديكارت يرى أن “الخطأ ليس في العقل، بل في سوء استخدامه.”

وكأنهم جميعًا يشيرون إلى ما نطق به القرآن منذ قرون: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

فالشيطان قديم العداوة، لكنه عاجز أمام من استمسك بالله. هو نار، واليقين ماء، فإذا اجتمع الماء والنار غلب الماء، وبقي العبد طاهرًا على الصراط المستقيم.

ولذلك كان دعاء الفاتحة هو زادنا الأبدي: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، فبالصراط يزول الاضطراب، وتنجلي الغشاوة، ويتبيّن أن الحياة ليست إلا معبرًا بين جنةٍ أولى فقدناها، وجنةٍ أخرى وُعدنا بها.

وخاتمة القول، أن العداوة التي بدأت من الجنة، ستنتهي عند أبواب الجنة. وحينها فقط، سينكسر قيد الوسواس، وتبزغ الروح في أفقها الطاهر، حيث يصدح ابن الفارض مع العارفين: “ولم أرَ غيري، فاستحييت من نظري وما زلتُ في سري بهِ متشرفا.”

فيا الإنسان، كن من أهل النور، لا من أسرى الظلام، ولا تجعل لعدوك عليك سبيلًا…

– [ ] عمق المعركة الخفية

إن أخطر ما في عداوة الشيطان أنها لا تُرى بالعين، بل تُعاش في خفاء الفكر ودهاليز القلب. فهو لا يأتي صاخبًا معلنًا، بل يندس كنسمة ليلٍ باردة، يوحي ويهمس، حتى إذا غفل الإنسان عن نور ربه وجد نفسه أسيرًا في قبضةٍ لا يدري متى دخل إليها.

وهنا تكمن عظمة القرآن في كشف الغشاوة، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

كلمة واحدة تكفي لفضح خطته: التخويف. فالشيطان لا يملك قوةً حقيقية، بل يزرع الوهم، ويجعل الخيال جدارًا من الظلام، حتى يظن الإنسان أنه ضعيف، وهو في الحقيقة قوي بالله.

وقال الإمام عليّ بن أبي طالب – كرم الله وجهه –:“عدوُّك بين جنبيك، فجاهِده.” [نهج البلاغة].

عدوك ليس خارجك فقط، بل داخلك أيضًا: في نزعة الكبر، في غريزة الطمع، في غشاوة الغضب. وهنا تتجلى بصيرة ابن عربي: “إن النفس مرآة، فإذا جُليت بالنور أشرقت، وإذا اسودّت بالهوى صارت مأوى للشيطان.”

وقد أدرك حكماء الشرق والغرب هذا المعنى كلٌّ من زاويته، فبوذا يقول: “ألدّ الأعداء لا يستطيع أن يؤذيك بقدر ما تؤذيك نفسك.”، وكأنهم جميعًا يلتقون في جوهرٍ واحد: أن المعركة في داخلنا قبل أن تكون حولنا.

لم تعد المعركة مع الشيطان ساحةً صغيرة في زاوية القلب، بل صارت حربًا ممتدة من وسوسةٍ في سريرة إنسانٍ واحد إلى شعوبٍ تُقاد كالأسرى بسياط الوهم.

في البنوك العالمية، يختبئ الطمع وراء الأرقام، ويُقنع الإنسان أن الربح على حساب الآخرين أمر مشروع، وكأن الشيطان استعار زي المدير الناجح ليخدع العقل، بينما يسلب النفوس.

قال الغزالي:“من ابتعد عن حدود الله في المال، صار القلب معبودًا للمال لا لله.” [إحياء علوم الدين]. وفي الإعلام، يتسلل بخيوطٍ خفية، يزيّن الكذب ويبدّل الحقائق، ويغمس العقول في فوضى متواصلة من الأخبار والشهوات.

وعلى مستوى السياسة والحروب، يتجلى بأساليب أذكى، يزرع الفتن بين الدول والشعوب، يبيع الحروب باسم الحرية، والدم باسم الأمن، ويغطي الاستغلال باسم حقوق الإنسان.

قال تولستوي:“الحروب ليست مجرد صراعاتٍ على الأرض، بل صراعات على الضمائر.”

حتى المخدرات والأفكار الفاسدة هي أدواته لتفكيك المجتمعات من الداخل، لتفقد الشعوب وعيها وقيمها، وكأن الشيطان أراد أن يجعل كل فردٍ أمةً صغيرة تحت سيطرته.

وهكذا، فإن سنة الله ماضية لا تتبدل: من اتبع الشيطان خسر، ومن استعاذ بالله نجا.

وكم من ضمائر رأيناها وقد باعها أصحابها للشيطان، باعوا الآخرة لشراء الدنيا.

ولنا في كسرى الفرس عبرة، حينما تشيطن ومزق رسالة رسول الله ﷺ فمزق الله ملكه بصراعٍ بين أهل بيته، فلم ينقذه ترف المال ولا السلطة، بل سقط في خسارة المآل.

لقد تعارك أهل بيته وتنازعوا، فغابت ريحهم وساد الحق، واحترق الباطل بهوى النفس الذي أضلهم.

وذلك درسٌ يتكرر في كل زمانٍ ومكان، ينعكس على الفرد والجماعة والدول، فكل من جعل الهوى قائده والشيطان رفيقه، كان الهلاك مصيره، وكل ذلك لأنهم ارتموا في أحضان الشيطان، يظنّون أنه سيحميهم من دماءٍ سفكوها، ومن أعراضٍ هتكوها، ومن أموالٍ نهبوها، فتقرّبوا بها إلى فراعنة هذا الزمان.

وما علموا أن الشيطان يخذل أولياءه ساعة الحقيقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22].

وأسلحة المؤمن في زمن الطوفان

حين يمدّ الشيطان جيوشه في كل ميدان، من الإعلام إلى الأسواق، ومن قاعات السياسة إلى غرف النوم، يبدو للناس أن لا نجاة.

لكن الله – جل شأنه – لم يترك عباده بلا عُدّة، بل سلّحهم بأدوات نورانية لو أدركوا قيمتها لاهتزّت لها عروش الطغاة.

أول هذه الأسلحة: القرآن.

ليس كتابًا يُتلى في المناسبات، بل هو “فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.”

الثاني: الذكر والاستغفار.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36].

والشيخ محمد الغزالي كتب: “المؤمن الذي يذكر الله كثيرًا، لا تلتف حوله الحبال الخفية، ولا تملك الشياطين أن تمتص إرادته.”

الثالث: العقل الناقد.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لست بالخب، ولا الخب يخدعني.”

الرابع: جماعة الحق.

قال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: “ما من جماعة اجتمعت على طاعة الله إلا جعل الله لها من الظلمات نورًا.”

الخامس: القيادة بالتقوى.

إذ لا يكفي وعي الأفراد إن لم تكن للأمة قيادة صادقة تقودها بميزان القرآن لا بموازين القوى.

خارطة النور – خاتمة المعركة الروحية

ها نحن نصل إلى قلب المعركة، حيث تتلاقى خيوط الماضي والحاضر، الفرد والمجتمع، الفكر والروح.

لقد رأينا الشيطان في كل صورة: في وسوسة القلب، في الإعلام المضلل، في البنوك التي تسرق البشر باسم الربح، في الحروب التي تزرع الموت باسم السلام، في المخدرات والأفكار الفاسدة التي تكسر إرادة الشعوب.

وكل هذه الأدوات ليست سوى امتدادٍ لما بدأ منذ أبى إبليس السجود لآدم: حربٌ أزلية على نور الإنسان.

لكن قوة الإنسان لا تُقاس بعدد أعدائه، بل بمدى تماسك قلبه وإشراق وعيه. فالقرآن هو البوصلة، والذكر هو السلاح، والعقل هو الدرع، والجماعة هي الحصن، والقيادة بالتقوى هي الخريطة.

ومن اتكأ على هذه الأسلحة لم يعد للشيطان سلطانٌ عليه، مهما اتسعت شبكة الظلال حوله.

قال ابن عربي: “من صمد على الحق، صار البحر محيطًا به، والريح تهب بلا تأثير.”وقال الغزالي: “القلب الذي يعلو عليه الحب الإلهي، لا يملك له الشيطان سبيلًا.”

إن الخارطة النهائية للنور هي أن تتحد كل أدواتك: العقل والذكر، القلب والوعي، الفرد والجماعة، لتصنع حصنًا منيعًا يذيب الظلال ويبقي النور متدفقًا.

قصة صراع الإنسان مع الشيطان، من الجنة إلى الأرض، من قلب الفرد إلى جسد الأمة، من وسوسة الليل إلى مؤسسات العالم الكبرى، تتركنا عند الحقيقة الأزلية: العداوة الأبدية قائمة، لكنها تُهزم بالنور الذي نحمله في قلوبنا.

أيها القارئ، عندما تغلق هذه الصفحات، تذكّر أن المعركة لم تنتهِ، لكنها في متناول يدك: اختر نورك، ثبت قلبك، ارفع ذكرك، وامضِ على صراط الله المستقيم…

فكل خطوةٍ في هذا الطريق انتصارٌ على الظلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى