الثقافي

العبّارة… من العيجة إلى ذاكرة العبور

آمنة بنت محمد البلوشية

مدخل إلى الذاكرة:

حين كانت الضفّتان تلتقيان على صفحة الماء…ليست كل وسائل النقل تُحفظ في الذاكرة…بعضها مجرّد وسيلة، تمضي وتُنسى، وبعضها — كعبّارة العيجة — يُصبح جزءًا من الحكاية.

في المدن التي تتكئ على البحر، لا يكون العبور مجرّد انتقال، بل فعلٌ إنساني محمّل بالتفاصيل، بالعلاقات العابرة، وبالوجوه التي تصعد وتنزل كل يوم، وكأنها تكتب فصلاً صغيرًا في كتاب كبير.

في هذا المقال، نستعيد عبّارةً خشبية بسيطة، كانت تُبحر بين العيجة وخور البطح كل صباح، تنقل الطالبات من العيجة إلى نقطة انتظار الباص… لكنها في الحقيقة، كانت تنقل أكثر من ذلك بكثير: تنقلنا من العيجة إلى التأمل، من العبور العادي إلى اللحظة التي تستحق أن تُكتب.

فلنصعد معًا إلى ظهر العبّارة، ولو بالكلمات، ونُبحر نحو الضفّة الأخرى… حيث الذاكرة لا تزال تنتظر.

في المدن الساحلية، تتشكّل العلاقة بين الإنسان والماء بطرق لا يمكن للمدن اليابسة أن تفهمها.

الماء ليس مجرد حدّ جغرافي، بل حياة تتحرّك، تتنفّس، وتختزن القصص على ضفّتيها.

وفي مدينة صور العُمانية، حيث يلتقي البحر بالبر، وتتعانق اليابسة مع الخور، نشأت علاقة فريدة بين الناس ووسيلة نقل خشبية صغيرة، كان لها من الهدوء ما يُشبه الهمس، ومن البساطة ما يختصر الجمال… إنها العبّارة.

كانت العبّارة هناك، كل صباح، كما لو أنها موعدٌ لا يخلف وعده.

سفينةٌ صغيرة، بنية اللون، منحوتة من الخشب المحلي، تمضي فوق صفحة الماء كأنها تعرف الطريق عن ظهر قلب. لا محركات صاخبة، لا أبواق، لا استعجال. عبّارة تمضي برويّة، تتهادى بين الضفتين، تنقل الطالبات من العيجة — حيث البيوت البيضاء العتيقة — إلى نقطة صغيرة على الطرف المقابل، حيث ينتظر باص المدرسة عند حافة الطريق الساحلي.

بعد أذان الفجر، تبدأ العبّارة رحلتها الأولى، تتحرّك برويّة مع خيوط الشمس الأولى التي تنبّه الأرواح قبل العيون، وتعلن أن نيابة رأس الحد بدأت تستقبل أول شروق في البلاد.

تمضي العبّارة فوق صفحة الماء، مرافقةً هذا الضوء الوليد، كأنها تسير برفق على حافة النهار.

وفوقها، تحلّق الطيور المهاجرة، ترفرف بأجنحتها في مشهد احتفالي، كأنها تبارك ميلاد يوم جديد، وتشارك الراكبين فرحة العبور والبدايات.

لكن العبّارة لم تكن فقط وسيلة نقل…

كانت مشهدًا بصريًا مدهشًا في كلّ تفاصيله: الخشب العتيق المصقول بملح البحر، المقاعد الطولية، الحبال الملتفّة كضفائر ناعمة على جوانبها، وظلال الفتيات المنعكسة على سطح الماء كلما أشرقت الشمس.

على ظهرها، تجلس طالبات المدارس في صمتٍ مهيب. ثيابهن الزرقاء تُشعّ تحت شمس الصباح الأولى، وحقائبهن الصغيرة ملقاة قرب الأقدام، والعيون نصف مفتوحة، كأنها لم تفكّ بعد آخر خيط من نوم البارحة. يمرّ المشهد بهدوء، كأن الزمن نفسه يتباطأ احترامًا لهذا الطقس اليومي المتكرر.

وعلى الجانب الآخر، حيث ينتظر الباص عند حافة الخور، كنا نتابع وصول العبّارة كما يتابع المرء مشهدًا عزيزًا.

لا نحتاج إلى الكلام، فقط أعيننا نحو الماء، نراقب تلك السفينة الصغيرة تقترب ببطء، تحمِل وجوهًا مألوفة، ومشاعر لم نكن ندرك وقتها أنها ستغدو نوستالجيا خالصة.

وفي الظهيرة، تعود العبّارة من جديد، والشمس تميل غربًا، والضوء يدفأ، والبحر يهمس بحكايات اليوم. تعيد الطالبات إلى الضفّة الأولى، إلى العيجة، إلى البيوت التي تنتظر.

العبّارة لم تكن مجرّد وسيلة نقل، بل كانت تجربة بحد ذاتها.

تجربة تُشبه الطقوس: الصعود، الجلوس، النظر، الانتظار، ثم الوصول. فيها مساحة للتأمّل، للهدوء، لمحادثة صامتة بين المرء والماء.

ولهذا، هي ليست مجرد خشب ومحرّك… إنها مشهد إنساني، وسطي بين الحنين والعبور، بين المدرسة والبيت، بين الطفولة ومسارات الحياة.

ولعلّ أجمل ما فيها أنها كانت تشكّل صلة وصل ليس فقط بين الضفّتين، بل بين الناس أنفسهم.

تجمّع الطالبات كل صباح، تبادل التحية مع الربّان، الابتسامات العابرة، ونظرات الترقب — كلّ ذلك جعل منها مركزًا صغيرًا للحياة اليومية.

ومع تطوّر البنية التحتية، تغيّرت الأمور. أُنشئت طرق جديدة، وتزيّن الخور الآن بجسرٍ معلّق يختصر المسافات بين العيجة والمدينة.

لكن المسافات المختصرة، لا تعني دائمًا حياة أفضل.

العبّارة كانت بطيئة، نعم، لكنها منحت العابرين فرصة لتأمل ما حولهم، لتكوين ذاكرة، لا مجرد حركة.

أما الجسر، وعلى الرغم من روعته المعمارية، فلا يحفظ التفاصيل… لا يمرّ على الوجوه، ولا يترك أثرًا في الذاكرة.

لهذا، ما زال كثيرون من أهل صور يذكرون العبّارة بحنين عميق. ليست فقط لأنها وسيلة نقل جميلة وبسيطة، بل لأنها جزء من تكوينهم الشخصي والجمعي.

رمزٌ لمرحلة من الطمأنينة، حين كانت الحياة تمرّ ببطء، لكنها تمرّ بجمال.

إن للعبّارة جمالًا لا تملكه وسائل النقل الحديثة.

جمالٌ لا يُقاس بالسرعة، بل بالمعنى.

هي ليست اختراعًا تقنيًا، بل فصلٌ من رواية المكان.

قطعة من روح المدينة، من تفاصيل الطفولة، ومن رائحة البحر الذي لا يزال يهمس للحكايات القديمة.

والآن، وإن صمت صوتها على صفحة الماء، إلا أنّها لا تزال تمخر عباب الذاكرة…

هادئة، بسيطة، مخلصة لوظيفتها الأولى: أن تنقلنا، ولو للحظة، إلى الضفّة الأخرى من الزمن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى