
عبارة تطفو على سطح بحر الحياة في زمن تتزاحم فيه المشاعر وتفيض الكلمات عبر الشاشات والمحادثات عبارة تقول “ليس كل ما في القلب يُحكى” وكأنها جاءت لنا من زمنٍ آخر كان فيه الإنسان أكثر احترامًا لقدسية مشاعره وأفكاره وأكثر حرصًا على صمته من بوحه، وأكثر إيمانا بما يختلج في قلبه.
اليوم في عالمنا صار التعبير عن المشاعر نوعًا من العُرف بل قد يكون من الضرورة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، فقد غدا الحديث عن الأحزان أو حتى الأفراح على الشاشات وعبر البرامج المفتوحة جزءًا من العرض اليومي المفتوح، وكأن لسان الحال يقول بإننا مطالبون دائمًا بأن نكشف للعالم ولمن حولنا ما يجري في أعماقنا حتى ولو لم نكن مستعدين ومؤمنين بذلك، لكن الحقيقة التي تظل راسخة والمفروض تكون كذلك “ليس كل ما نحمله في قلوبنا يصلح للبوح به” ولا يمكن ان يكون كل صمت يعني غموضًا أو ضعفًا في شخصيتنا أحيانًا بل الحقيقة أن الصمت هو قمة القوة.
فهناك في داخل كل إنسان مساحات لا تصلح للضوء، لأن في القلب زوايا لا يدخلها الضوء إلا نادرًا ونادر جدًا، ووبجانبها مساحات يسكنها ألم قديم برحيل غالي أو ذكرى عزيزة، أو قصة لم تكتمل أو قد تكون خيبة أمل لا نريد لأحد أن يراها أو طعنة وجرح لم يثمل بعد، هناك مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات ولا القصائد والمعلقات تمكن تُعبر عنها، ومواقف نعرف أن سردها لن يُنصفها وربما قد يُفقدها معناها وعمقها. في تلك اللحظات والمواقف يصبح الصمت حلاً رائعًا وخيارًا أنيقًا وليس هروبًا ولا جُبنًا بل حفاظًا جوهريًا على جمال ما نحتفظ به لأنفسنا في ذواتنا لأنه ملك لنا لا لغيرنا أبدا.
في رحلة الحياة نمر بتجارب لا تُروى ولا يمكن ذكرها وذلك ليس لأننا لا نثق بمن معنا وحولنا ولكن الحقيقة أن ما عايشناه كان أعمق بكثير من أن يُترجم إلى حروف أو عبارات وجُمل، هناك مواقف وحكايات تقف اللغة عاجزة أمامها كمن يرى النور ولا يمكن يلمسه بيده، فلا نجد غير الصمت ملاذًا آمنًا وكأن الصمت هو الواقع الجميل رغم ما فيه وإنه اللغة الوحيدة التي يمكن أن تفهم وجعنا دون تفسير وفرحنا دون شرح.
إننا اليوم في عالمنا نجد تشجيعًا مفرطًا على “التعبير عن الذات” في الثقافة الحديثة وكسر جدران الكتمان نحو بما يُعرف شارك الناس همومك، لكننا كثيرًا ما نخلط في الحقيقة بين الشفافية وبين التعرية العاطفية، نعم من الجميل أن يجد الإنسان من يشاركه لحظاته ويُصغي له ويستمع لكن الأجمل هو أن يعرف متى يصمت ومتى يحتفظ لنفسه ببعض بل بحقيقة ذاته ومشاعره.
البعض يرى إذا لزم الصمت بأنه يعيش في عزلة او إنه أصبح من الصناديق المغلقة، لا فليس مطلوب منا بأن نكون كذلك ولا أن نعيش في عزلة شعورية، بل علينا أن نتحلى بالحكمة في كل شي ومعتدلين في مشاركة ما نشعر به وأن نُدرك أن الخصوصية العاطفية ليست عيبًا ولا ضعفًا بل نوع من الاتزان النفسي والذاتي، إن البوح أحيانًا يُخفف وأحيانًا كثيرة يُعمّق الجراح، فما أسهل أن نحكي ونتكلم ونتحدث ونروي وما أصعب أن نتحمل تبعات ما قلنا أو ألا نجد من يفهم ما أردنا إيصاله وقوله والحديث عنه أو — وهو الأسوأ — أن يُساء فهمنا فيزيد الألم عمقًا.
فالصمت في الحقيقة لغة لا يتقنها الجميع فحين نصمت لا يعني ابدًا أننا بلا مشاعر بل أننا نُحسن الإنصات إلى أنفسنا قبل الآخرين، فالصمت ليس فراغًا أو ضعفًا بل امتلاء داخليّ وهو يمكن بل الحق أنه من أعلى مراتب التحكم في الذات يقول الحكماء “إذا كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب” وندرك تمامًا أن هذا الذهب أثمن حين نُدرك أن هناك من لا يقدّر الصراحة أو لا يحتمل ثقل ما نحمله في ذاتنا وأعماقنا.
نؤمن يقينًا بأن الصمت في بعض المواقف ليس ضعفًا بل هو قمة النُبل والرقي، فهناك من لا يصمت لأنه لا يملك ما يقول بل لأنه يجزم بل يعرف أن لا أحد سيفهم أو لأن في قوله ما قد يؤذي أو يمكن أن يفسد علاقةً ثمينة.
تمعن جيدًا وراقب ذاتك تجد بأن بين القلب واللسان مسافة من وعي، فليس كل شعور
نشعر به وما يجول في أعماقنا يجب أن يُقال، وليس كل فكرة تدور في ذواتنا يجب أن تُعرض، يجب ان نفهم وندرك تمامًا بأن هناك مسافة بين القلب واللسان يجب أن تمر دائمًا على محطة “الوعي”، قبل ان تتحدث وجه لنفسك هذه الأسئلة البسيطة وإسأل هل هذا البوح سيجعلك أفضل؟ هل سيُفيد الطرف الآخر؟ هل سيفهم مَن أمامي ما تبوح به؟ أم أن البوح سيفتح بابًا يصعب إغلاقه؟ إننا نحتاج إلى أن نُخبئ ما نشعر به أحيانًا ليس لأننا نخجل من بوحنا ومن مشاعرنا، بل لأننا نحترمها ونقدرها ونؤمن بأنها جزء منّا لا يتجزء ابدًا ولا نُريد لهذا الجزء أن يُمس أو يُفسّر خطأ.
في الصمت راحة نعم فهناك راحة لا يعرفها أبدًا إلا من جرّب وأيقن أن يصمت حين كان البوح ممكنًا لكنه بحكمته اختار أن يُنصت إلى قلبه لا إلى رغبة الآخرين في الفضفضة أو الفضول، فليس كل ما في القلب يمكن أن يُحكى فبعض الصمت أجمل.
فليكن لك من مشاعرك خصوصية وليكن صمتك ملاذ ومن قلبك حرمة لا تندم على ما لم تقله أبدًا طالما أنك ارتأيت أن تحتفظ به لنفسك وذاتك في أعماقك وفي صندوقك الداخلي حيث السلام والأمان والاحترام.



