انَّ اللغة العربية هي اللغة التي قُدِّر لها بفضل الله عزّ وجلّ أن تستمر وتدوم، ولا عجب، فهي لغة القرآن الكريم، حُفظت بحفظه إلى يوم الدين، قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) – الآية (9) من سورة الحجر. وقال الله تعالى في الآية (2) من سورة يوسف: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
والحكمة الكاملة من نزول القرآن الكريم باللغة العربية لا يعلمها إلا الله، ولكن من المعلوم والواضح أن اللغة العربية ثرية جدًا، بل هي أثرى لغة عُرفت في الأرض، بما فيها من إعجاز عظيم أدى إلى التصديق والإيمان بكلام الله عز وجل.
قال الله تعالى: ( وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ (199) كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ (200) لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيم) َ– سورة الشعراء.
والعرب المتقنون للغة العربية أدركوا منذ اللحظة الأولى أنه كلام معجز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقال الحق سبحانه وتعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
والإعجاز في تفسير الآية الكريمة:
وقال الله عز وجل للأرض – بعد هلاك قوم نوح –: يا أرض اشربي ماءك، ويا سماء أمسكي عن المطر، ونقص الماء ونضب، وقُضي أمر الله بهلاك قوم نوح، ورست السفينة على جبل الجودي، وقيل: هلاكًا وبعدًا للقوم الظالمين الذين تجاوزوا حدود الله، ولم يؤمنوا به سبحانه وتعالى ومعجزاته الواقعة أمام ناظريهم.
وتفسير قوله تعالى: “وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء” أي نقص، يقال: غاض الشيء وغضته أنا، كما يقال: نقص بنفسه ونقصه غيره، ويجوز “غِيض” بضم الغين.
“وقضي الأمر” أي أُحكم وفرغ منه، يعني أُهلك قوم نوح على تمام وإحكام.
ويقال: إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك صغير.
والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان، كما هلكت الطير والسباع، ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم.
وحُكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه وكانت تحبه حبًا شديدًا، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء صعدت حتى بلغت ثلثيه، ثم استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء؛ فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي.
قوله تعالى: “واستوت على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين” أي هلاكًا لهم.
الجودي جبل بقرب الموصل، استوت عليه السفينة في العاشر من المحرم يوم عاشوراء؛ فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه شكرًا لله تعالى. وقد قيل: كان ذلك يوم الجمعة.
ورُوي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسو على واحد منها، فتطاولت، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعًا لله، فاستوت السفينة عليه، وبقيت عليه أعوادها.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة”.
وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعًا، وتطامن الجودي وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه.
وقيل: إن الجودي اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: سبحانه ثم سبحانًا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد، ويقال: إن الجودي من جبال الجنة، فلهذا استوت عليه.
ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
مسألة: لما تواضع الجودي وخضع عزّ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذلّ، وهذه سنة الله في خلقه، يرفع من تخشع، ويضع من ترفع.
ولقد أحسن القائل: وإذا تذللتِ الرقابُ تَخشُّعًا منّا إليك فعزُّها في ذُلِّها
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تُسمى العضباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، فقالوا: سُبقت العضباء!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن حقًا على الله ألا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه.”
وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.”



