الشعرُ.. نادرًا ما يروي ظمأ المتعطّشين من لغةٍ أخرى
محمد المعشري .. الشاعر هو المتلقي الأول للنص الذي سيكتبه

حاورته: فتحية الفجرية
قيل الشعر عقار كونيّ، تتعاطاه جميع اللغات وتشربه حتى الثمالة. كلُّ لغةٍ يُسكِرُها شِعرها ويتذوّقه لسانها. لذلك، نادرًا ما يروي هذا الشعرُ ظمأ المتعطّشين من لغةٍ أخرى وقليلًا ما يشنّفُ آذانهم.
ويقول دومينيك غرانمون عن الشِّعر:
”الشعر، هو النثرُ مُهْتاجًا”
ويقول محمد المعشري:
“الشعرُ؟
:أن تَنجو؛ لتَغرَقَ
-ترتجي؛ لتَخيبَ
-تسألَ، والسؤالُ يُجيبُ!
ألا تُصيبَ إذا رميتَ
فسوفَ تخسرُ دهشةَ العبَثيِّ حينَ تُصيبُ
أنا مثل هذا الشعرِ.. عالٍ وهادئُ
وتغرقُني قبلَ (البحورِ) الشواطِئُ
ولي ثورةُ الأمواجِ
لكنَّ زُرقتي المُملَّةَ جِدًّا
هذَّبتها المرافِئُ
أرى ضحكتي دمعًا.. فكيفَ أُريقُها؟
وكيفَ أُضِلُّ النصَّ.. والنصُّ: قارئُ
أدسُّ جنوني في صناديقِ حكمتي
فقلبي -ولو صَحَّت خَطاياهُ- خاطِ
محمد بن عيسى المعشري، شاعر وطالب في كلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس، شاعر عكاظ الذي تنظمه جماعة عكاض الشعرية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية في موسمه الأول وفارس القصيد في موسمه العاشر ٢٠٢١_٢٠٢٢ م، وشاعر الخليل في موسمه الحادي عشر، أصدر مجموعته الشعرية “وإن من الحجارة” عن دار رقش بالمملكة العربية السعودية. تضمن الإصدار مجموعة من القصائد العمودية، والتفعيلة.
في حديث خاص مع مجلة التكوين تحاوره فتحية عبد الله الفجرية
” ذات يوم، وأنا أركلُ الحجارةَ أمام البيت
ركلتُ روحي خطأً، فأصبحتُ شاعرا”
حدثنا عن تجربتك الشعرية والبدايات الأولى؟
بدأت كتابة الشعر من سنوات معدودة، وكانت تذكرة الدخول هي حبّ اللغة، فقد دخلتُ إلى الشعر من بوابته الكبرى كما أزعم، وأظن أن ذلك ساعدني على التأقلم مع جوّ الشعر المتقلب.
ما الشعر في نظرك؟
ما الشعرُ؟
: أن تَنجو؛ لتَغرَقَ
-ترتجي؛ لتَخيبَ
-تسألَ، والسؤالُ يُجيبُ!
ألا تُصيبَ إذا رميتَ
فسوفَ تخسرُ دهشةَ العبَثيِّ
حينَ تُصيبُ
” هيَ الفتاةُ التي ما زلتُ
أجهَلُها مقدارَ فهمي لها..
أدنو، فأبتَعِدُ
تشتاق تشتاقُ أدري
إنَّما بفَمٍ كالمستحيلِ
تقولُ الآن: أفتَقِدُ
في صوتِها.. تَخلَعُ الأشجارُ أخضَرَهَا
وتَستريحُ إلى أبنائها البلدُ
في عينِها.. تُنكِرُ الأشياءُ صورتَها
كأنَّ لا شيءَ في العينين، لا أحَدُ”
أين يقف المعشري على قصائده؟ هل للبيئة تأثير فيما تكتب أم أن القراءة والاستماع هي المؤثر الأكبر على كتاباتك؟
أظن أن التلقي – كتابةً واستماعًا – هو أيضًا بيئة مُفترَضة، بل عوالم أخرى نتنفس هواءها ونلمس أضواءها ونمشي في طرقاتها
“الشاعر ابن بيئته” كانوا يقولون، وما زلنا نقولُ بهذا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أين تقفُ حدود هذه البيئة اليوم؟
والشعر كما قيل يُفيدُ من كلِّ شيءٍ ويُفيدُ كلَّ شيء
والنصُّ تجربة قرائيةٌ لغير المكتوب، قبل أن تكون تجربة كتابية، لذا فالشاعر هو المتلقي الأول للنص الذي سيكتبه.
ومن هذا المنطلق، تأتي القصائدُ ذائبةً في وحلها الأمكنةُ والأزمنةُ والتجربة، وبهذا تكون القصيدة قصيدةً حقيقية وحالمة، وذاتيةً وعامّة.
صدر لك “وإن من الحجارة” حدثنا عن الإصدار وكم استغرق العمل عليه، وكيف كانت تجربة النشر والطباعة فيه؟
الديوان كان ثمرةَ الركضِ بسلّة مثقوبة في حدائق الشعر، ركض بدأ من أعوام عدّة، ويستمر.. كتجربة أولى للطباعة، كانت تجربة مميزة جدا، وأوجه شكري لدار “رقش” وجميع القائمين عليها لأنهم أسهموا في جعل هذه التجربة سهلة ولطيفة.
تقولُ:
كبرتَ.. لكن أنتَ أنتَ
لقد تعبَ الرحيلُ.. وما تعبتَا
أقولُ: خُلِقتُ كي أبقى وحيدًا
تقولُ:
أجلْ.. وليتكَ ما خُلِقتا
أنا ولدُ الحضورِ الهشِّ
أجري وتلحقُني الجهاتُ صَدًى.. وصَمتا
أسمِّيك “الحياةَ” وكلُّ شيءٍ
أسمِّيهِ الحياة.. يصيرُ موتا“
الشاعر يرمِّزُ قصائده إذ لا يكاشف كل قصائده للمتلقي أو لمجتمعه، لم يلجأ الشاعر للتورية في شعره أو لعملية الترميز؟
– القصيدة عاديّةٌ جِدًّا، وبسيطة للغاية، حينما نسأل لماذا نرمّز في الشعر، علينا أن نسأل الطفل لماذا لا يجيب بصراحة حينما يسأله والده عن سبب هربه من المدرسة ، وعلينا أن نستغرب من إجابة المجرم الملتفَّة حين يُسألُ عن الطريقة والدافع الحقيقيّ وراء فعلته، وأن نترك الإيماءَةَ، والالتفاتةَ، والإشارةَ الموهمة عن حواراتنا، فالصراحةُ أسرع منطقيّا. لكن، هل نحن ميّالون -بفطرتنا- إلى التصريح دون التلميح؟
هكذا تكون القصيدة، فهي اعتراف مُضمر، وإسرارٌ مُعلن، لأنها باختصار نابعةٌ عن طبيعة بشرية، كما أن القصيدة مشيٌ على مساميرَ من قطن، مشيٌ يتوق الشاعر والقارئ لوخزه ونعومته في آن.
لمن يستمع محمد من الشعراء في الوطن العربي والغربي؟
للجميع.
إذا اتيحت لك فرصة للجلوس أو التنزه مع شاعرك المفضل ما الذي ستطرحه عليه؟
أما كان باستطاعتك أن تتنازل قليلًا عن كبريائك
وتتركَ بيتَك “الخيل والليلَ والبيداءَ” وترحل؟
أم أنّ أسطوريتك لم تكن ترضى إلا بمثل هذه النهاية؟
.” ماذا ترى الآنَ؟
لا مرآةَ، لا كفَنَا
ركضتُ أبحث عنِّي.. فامَّحيتُ أنا”
أحد القصائد التي شاركتها مهرجان الشارقة للشعر العربي ٢٠٢٤ حدثنا عن هذه التجربة؟
مهرجان الشارقة تجربة مختلفة ومميزة، تجمعك بشعراء وأصدقاء ونقاد لهم مكانتهم وتجربتهم في الساحة الشعرية، كما أن أمسياته تحظى بحضور بجمهور كبير من محبي الشعر.
شاعر عكاظ في موسمه الأول، حدثنا عن هذه المسابقة وكيف كانت المنافسة؟ بأي قصيدة حزت المركز الأول؟
شاعر عكاظ نشاط تنظمه جماعة عكاظ الشعرية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية ولقبٌ مهمّ والمنافسة في حضور الشعراء منافسة عالية دومًا، ومثل هذه المسابقات، لها دورٌ كبير في إظهار الشعراء وإبداعاتهم، وهي منصة كذلك للقاء الشعراء. وقد حازت على المركز الأول قصيدتي “مذكرة شخصية جدا”.
.لو قُلتُ..
-يا من وجهُها: صلواتُ-
ماذا تَقولُ لنفسِها الكلماتُ؟
ضَحِكَت لكِ اللغةُ الكَئِيبةُ
وارتَدَت أحلامَها الأبديَّةَ اللحظاتُ
كم متُّ.. لكن ليسَ ثَمَّ حقيقةٌ
وأردتُ.. لكن ليسَ ثَمَّ حَياةُ!
أغمضتِ ثمَّ فتَحتِ..
ثمَّ تصالحَت في عينكِ الأضواءُ والظلماتُ
شاركت في أمسيات مهرجان شاعر شباب العرب بالعراق، بابل، ومهرجان الشارقة للشعر العربي، ماذا أضافت لك المشاركات الخارجية؟
بالتأكيد هذه المشاركات رافد حقيقي للروح الشاعرة، وإضافة مهمة للتجربة الشعرية، فهي بلقاءاتها وبحضورها تفتح لك أبوابًا لم تطرقها من طرق الكتابة والوعي.
كيف تجد الحركة الثقافية في سلطنة عمان؟
الحركة الثقافية في السلطنة، حركة متجددة، وهي تشهد نموًا ملحوظًا في الفترة الماضية، وهذا النمو يرافقه نموّ في الساحة الأدبية والثقافية، ونمو في الجانب الإداري الذي تقوم به المؤسسات، وأرجو أن يستمر هذا الحراك ويتطور أكثر.



