السياحي

السّلحفاة التي عادت بعد الغياب

أمنة بنت محمد البلوشية

حين كنتُ في العاشرة من عمري، رأيتُ سلحفاةً كبيرة، كأنها سرّ البحر وقد خرج إلى العلن. كنتُ أقف عند الصخور، أتأمل المدى، فإذا بسلاحف ضخمة تتهادى في الموج وتقترب بهدوء. كنت أراقبها بشغف لا يشبه شيئًا آخر، وكنت أرى مشهدًا لطالما علق في ذاكرتي: سرطانات البحر تركب فوق ظهر السلاحف الكبيرة، وكأنها تشاركها الفرح، أو تحتفل بعودتها إلى الشاطئ. وكم من مرة شاهدت سرطانات البحر تركض خلف السلاحف الصغيرة التي تخرج من الرمال، زاحفة نحو البحر بفطرتها الأولى، تبحث عن الموج قبل أن تعرفه.

كانت تتكئ على جنبات الصخور عند الساحل، في موسم الصيف، تتكرر رؤيتها كل عام، في ذات الزاوية من البحر، في حضن الطبيعة حيث حفرة مكشوفة تطلّ على البحر المفتوح. كنا نركض إلى ذلك المكان بحماس، نراقب السلاحف في صمت مبهور، كأننا أمام شيء أكبر من أن يُفهم، وأجمل من أن يُنسى. وكلما ارتفع منسوب مياه البحر، كانت الأمواج تقفز لتصافح وجوهنا ببللها المالح، فنضحك ونهرب، ثم نعود لنحدق في تلك الكائنات العجيبة، التي لا تبالي بالأمواج ولا بصخبنا الطفولي، تظل ثابتة كأنها جزء من المكان، أو كنز من الزمن القديم.

مرت الأعوام، وكبرتُ… وكبرت سلحفاة أخرى.

في عام 2010، سُجِّلت سلحفاة خضراء نادرة على شاطئ رأس الجنز، إحدى أجمل مناطق تعشيش السلاحف في سلطنة عمان. وبعد خمسة عشر عامًا، عادت — نعم، عادت! — إلى ذات الشاطئ، كأن في الرمل ذاكرة، وفي البحر عهد لا يخونه.

كم هو مدهش أن تعود بعد كل هذا الغياب إلى حيث وُلدت. سلحفاة خضراء صغيرة، أصبحت اليوم شاهدة على استمرارية الحياة، ووفاء المخلوقات لمواطنها الأولى.

تشتهر سلطنة عمان بوجود أنواع مختلفة من السلاحف، ومن ضمنها السلحفاة الخضراء، التي تُعد من أندر الأنواع البحرية على مستوى العالم. وتعمل السلطنة، ممثلة بهيئة البيئة، على حماية هذه الكائنات المهددة، من خلال مبادرات كثيرة للتوعية والتثقيف في المجتمعات المحلية، بهدف الحفاظ على هذه الكائنات البحرية الثمينة وعلى بيئتها.

كما توجد أنواع أخرى من السلاحف البحرية، خاصة في جزيرة مصيرة، التي تُعد واحدة من أغنى البيئات الطبيعية من حيث تنوع الحياة البحرية، وأحد الأماكن التي تستقطب السلاحف من مختلف المحيطات.

ويمكن مشاهدة هذه الدورة العجيبة للحياة بأمّ العين، في لحظات تسرق الأنفاس وتُسكن القلب.

بشكل عام، يُعدّ أفضل وقت في السنة لمشاهدة فقس السلاحف الصغيرة من يوليو إلى سبتمبر، حيث تبدأ الرمال بالتحرك بخفة، وتخرج منها رؤوس صغيرة داكنة، تنبض بالحياة وتزحف بخجل نحو البحر، كأنها تعرف طريقها رغم أنها لم تره من قبل. مشهد لا يُنسى… تلك اللحظات التي تتجه فيها عشرات السلاحف نحو الأفق المائي، لا تلتفت خلفها، لا تتباطأ، وكأنها على موعد مقدّس مع الموج.

أما أفضل وقت لمشاهدة تعشيش إناث السلاحف، أو لحظة وضع البيض، فهو من مايو إلى أغسطس، حيث تزحف الإناث بصمت مطلَق تحت جنح الظلام، تدفن بيضها في رمال الشاطئ الدافئة، ثم تعود إلى البحر دون أن تلتفت، واثقة أن الطبيعة ستكمل ما بدأتْه.

ولأنها كائنات شديدة الحساسية، تتجنّب السلاحف الشاطئ حين يكتمل القمر… فالنور الساطع قد يكشف أمرها أو يُربك إحساسها بالاتجاه، فتُفضّل العتمة، وحضور الليل الخافت، كي تودع بيضها في سرٍّ وسكون.

إنه مشهد لا يُشبه إلا القصص التي تُروى همسًا…
حياة تولد من رملٍ وماء، وتعود إليهما في كل دورة، كأنها لا تعرف غيرهما وطنًا.

سلطنة عمان لم تكن يومًا مجرد أرض، بل حضنٌ دافئ لمخلوقات تعرف معنى العودة، ومعنى الأمان.
ومن رأس الجنز إلى جزيرة مصيرة، تبقى السلاحف شاهدًا حيًّا على توازن الطبيعة، وعلى العلاقة العميقة بين الإنسان ومحيطه، إذا هو اختار أن يصونها.

إنها قصة طفولة، وقصة أرض، وقصة كائن لا يعرف الاستسلام.
إنها السلحفاة…
التي علّمتني أن العودة إلى الأصل، رغم طول الغياب، هي أجمل حكاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى