السياحي

السوجرة.. قرية من سطور التاريخ تنبض بالحياة في الجبل الأخضر

الجبل الاخضر: التكوين، تصوير: سعيد بن سالم الهنائي

في أعالي الجبل الأخضر، حيث يتعانق الضباب مع القمم الشاهقة وتتسلل نسمات الهدوء العليل عبر الممرات الصخرية، تختبئ قرية السوجرة كدرّة تراثية تحكي قصص الماضي العريق وتحاكي روح المكان الأصيل. لم تعد مجرد قرية منسية، بل أصبحت وجهة حية تروي فصولاً من الصمود والجمال.

جذور الاسم وأصالة المكان

سُمّيت “السوجرة” نسبة إلى شجرة السوجر البرية النادرة التي كانت تنبت بوفرة في المنحدرات  وتزين مجاري المياه، ورغم اختفاء وجودها الفعلي، بقي اسمها وشذاها التاريخي محفورًا في ذاكرة الجبل. هذه القرية التي تعود أصولها إلى مئات السنين، بُنيت بسواعد الأجداد من الحجر الجبلي الصلب والأخشاب المحلية، وظلت شاهدة على نمط حياة فريد قائم على الاكتفاء الذاتي توارثته الأجيال.

طبيعة ساحرة وكنوز نباتية

تقع قرية السوجرة على سفوح الجبل الأخضر، ضمن سلسلة جبال الحجر الغربي، على ارتفاع مهيب يتجاوز 1900 متر فوق سطح البحر. تحيط بها منحدرات حادة ووهاد سحيقة، في مشهد جيولوجي يثير الدهشة ويعكس عظمة التكوين الطبيعي. يتسم مناخها بالبرودة المعتدلة صيفًا، والشتاء القارس الذي تصل فيه درجات الحرارة أحيانًا إلى ما دون الصفر، ليكسو الصقيع الأبيض النباتات مع ساعات الفجر الأولى.

ويُشتهر الجبل الأخضر بكونه خزانة طبيعية للتنوع البيولوجي، فهو يحتضن ما يزيد على 400 نوع من النباتات، بعضها نادر ومستوطن لا يوجد في أي بقعة أخرى من العالم. ومن أبرز أشجاره ونباتاته:

 * أشجار العلعلان: هذه الأشجار المعمرة، التي تتجاوز أعمار بعضها مئات السنين، تُعرف بصمودها وقدرتها على النمو في البيئات الصخرية القاسية. أخشابها القوية والمقاومة للآفات كانت العمود الفقري في بناء أسقف المنازل التقليدية.

* شجرة العتم (الزيتون البري): رمز آخر للصمود، تتميز بأغصانها المتشابكة وأوراقها الجلدية التي تتحمل الجفاف. يُستخدم خشبها الصلب في صناعة الأدوات التقليدية والأبواب والنوافذ.

* أشجار البوت: شجيرات برية عطرية تنمو بكثافة على السفوح، وتُستخدم أوراقها في الطب الشعبي لعلاج بعض الأمراض، كما أنها تشكل مصدرًا غذائيًا للحيوانات البرية.

* كنوز المدرجات الزراعية: على تلك المدرجات الصخرية التي نُحتت بعبقرية هندسية عبر القرون، تنمو أجود أنواع الرمان المشهور عالميًا بحباته الياقوتية ومذاقه الفريد، إلى جانب المشمش، والجوز، والتين.

* الورد الجبلي: يشتهر الجبل الأخضر بزراعة الورد الذي يُستخلص منه ماء الورد العُماني الشهير بعمليات التقطير التقليدية التي تعد بحد ذاتها حدثًا سياحيًا يجذب الزوار كل عام.

من الهجر إلى الحياة مجددًا

في عام 2014، غادر آخر سكان السوجرة بيوتهم الحجرية، متجهين إلى مساكن حديثة في القرية الجديدة القريبة، ليبقى المكان في صمت مُطبق… حتى بزغ فجر جديد على يد شركة محلية التي أعادت الحياة إلى القرية عبر مشروع رائد لإحياء التراث وتحويلها إلى نُزل سياحي يجسّد عبق الماضي. تم ترميم البيوت بنفس الحجر المحلي والخشب التقليدي، لتعود البيوت نبضًا يسكنه الزوار لا السكان.

النُزل التراثية: فن العمارة وروح الانسجام

تضم السوجرة اليوم عددًا من النُزل التي رُمّمت بعناية فائقة لتحتفظ بهويتها الأصلية. كل غرفة وجناح هي شاهد حي على العمارة الجبلية التقليدية؛ جدران شُيّدت من الحجارة المحلية المتداخلة دون إسمنت، لتوفر عزلًا طبيعيًا مثاليًا، وأسقف تُغطيها أخشاب العلعلان القوية، مربوطة بالحبال الليفية. الأبواب والنوافذ صُنعت من خشب السدر والعتم، وزُخرفت بنقوش يدوية تحاكي الفنون العُمانية الأصيلة.

صدى إعلامي في قلب الجبل

ومؤخرًا، حطّ وفد من المشاركين في الملتقى الصحفي رحاله في قرية السوجرة، في زيارة ميدانية هدفت إلى تسليط الضوء على هذا النموذج الناجح للسياحة البيئية المستدامة. جال الصحفيون والمصورون بين أزقة القرية الضيقة، واستمعوا إلى شروحات حول عملية الترميم الدقيقة التي حافظت على كل تفصيل معماري.

وقد عبر المشاركون عن انبهارهم بقدرة المشروع على دمج الأصالة مع متطلبات الضيافة الحديثة، مؤكدين أن السوجرة تقدم قصة ملهمة في كيفية تحويل التراث إلى منتج سياحي واقتصادي حيوي دون المساس بروحه.

شهادات من الذاكرة والواقع تتجسد روح المكان في كلمات من عايشوه وزواره:

يقول أحد سكان السوجرة السابقين: “كنا نعيش في هذه البيوت الحجرية، نزرع الرمان ونسقيه من العين، ونقضي ليالينا تحت السماء، لا نعرف إلا البساطة والرضا”.

أما إحدى الزائرات، فتقول: “لم أشعر يوماً بهذا القرب من الماضي، التفاصيل في النزل تشعرك أنك جزء من حكاية قديمة، والهدوء هنا يشفي الروح”.

السياحة المستدامة: بين الحفاظ والاستثمار

بتعاون وثيق بين وزارة التراث والسياحة والمجتمع المحلي، تم تمهيد مسارات جبلية، وإنشاء جسر خشبي يربط بين ضفتي الوادي، مع تركيب لوحات تعريفية ومنصات مشاهدة تسمح للزائر بالتمعن في تفاصيل القرية وجمال الطبيعة المحيطة.

أرقام تتحدث

منذ افتتاح المشروع، تجاوز عدد زوار القرية 1600 زائرًا، فيما فاق عدد نزلاء النُزل 700 نزيلًا، ما يعكس الإقبال المتزايد على التجربة التراثية الأصيلة في أحضان الجبل.

السوجرة: من الأطلال إلى الأمل

ما بين أطلال الماضي ونبض الحاضر، تقف السوجرة مثالًا ساطعًا على كيف يمكن للتاريخ أن يتحول إلى مورد حي، حين يُستثمر بحكمة وتُعاد إليه الروح دون أن يُمس جوهره. إنها قرية تتنفس التراث وتدعو الزوار لاكتشاف قصة كتبتها الصخور، وروتها الأشجار، وحفظتها القلوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى