الثقافي

الدلالات الاجتماعية السيميائية لزفة الكيذا: قراءة في الفلكلور النسائي العماني

د. سامية بنت محمد بن زاهر البحرية*

في صفحات الأنثروبولوجيا اللسانية التي تركز على كيفية استخدام اللغة لفهم الثقافة الإنسانية والهوية الاجتماعية ، فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعارف والمعلومات، بل هي “الفعل” الذي تتشكل من خلاله الهويات وتُصان به الموروثات التقليدية. ومن هذه السطور، تبرز “زفة الكيذا” أو زفة الكادي في المجتمع العماني لا بوصفها طقساً احتفالياً عابراً، بل باعتبارها “بنية سوسولسانية” معقدة مرتبطة بوجود الإنسان العماني وأرضه التي تمثل العصب الحي في وجوده ومعيشته، تتقاطع فيها الدلالات الاجتماعية بالرموز اللفظية لتشكل خطاباً نسائياً فريداً. إن هذه الزفة ليست مجرد موكب لعرس، تجتمع فيه “الأهازيج” لتكون معرضا ثقافياً مفتوحاً، لزراعة نبتة الكيذا بل هي إنتاج القيم الاجتماعية الثقافية تبنى لعلاقة المرأة العمانية ببيئتها اللغوية والمكانية.

إن زفة الكيذا من منظور اللسانيات الاجتماعية (Sociolinguistics)، متجاوزاً القراءة الوصفية التقليدية للموروث المحلي الشعبي إلى تحليلها كـ حدث لغوي (Speech Event) متكامل حيث تكشف العلاقة التفاعلية بين “المفردة العطرية (الكيذا) والنسق الاجتماعي النسائي(الزفة)، مع التركيز على دور الأهازيج كخطاب جمعي يعيد إنتاج الهوية والقيم العمانية الأصيلة.

وقراءة الفلكلور النسائي العماني يتيح لنا تفكيك الرموز الكامنة ما وراء الأهازيج؛ حيث تصبح الكلمة المغناة أداة لضبط التراتبية الاجتماعية، وتتحول الرائحة المنبعثة من “فسيلة الكيذا ” إلى علامة سيميائية صامتة تواصلية بامتياز. في هذا المقام، نتقصى كيف استطاعت المرأة العمانية أن تقترض من اللغة العربية بلهجاتها المحلية لتخلق “معجماً عطرياً عمانيا ” خاصاً بها، وكيف تلعب القائدة دور الذاكرة اللغوية في هذا النظام. إنها دعوة للغوص في عوالم “الكيذا” ليس كزهرة فحسب، بل كشيفرة لسانية تختزل في أريجها وبياضها فلسفة مجتمع بأكمله في الجمال، والستر، والتكافل فتغرس في الأرض لتشكل معلما يحمل دلالات متعددة وهذا ما يؤكد أنها أيقونة مختزلة عميقة تحمل معتقدات تتمثل بوجود أن تعامل الكيذا معاملة العروس في زينتها وجمالها ابتداء من دهن أطراف الزهرة بالمحلب وماء الورد الجبلي والياس ثم يجهز شال أخضر ليبخر بعدها تغطى ولا يسمح للرجال مشاركة الزفة باعتقاد أنها لن تنبت.

وتُعد نبتة الكيذا أيقونة عطرية متجذرة في وجدان المرأة العمانية التي ترمز للجمال الفواح الذي يملأ الذاكرة الشعبية. وفي هذا الصدد، تروي الوالدة زوينة بنت سعيد بن خلفان العبري، من رحاب متحف البيت الغربي، تفاصيل دقيقة ومدهشة حول طقوس زراعة هذه النبتة، حيث تشير إلى أن زهرة “الكيذا” تبدأ من اختيار التوقيت؛ فمن الضروري زراعتها في اليوم الأول من الشهر (في أي شهر من السنة)، وتؤكد بلهجة الخبيرة أن التأخر ليوم واحد فقط قد يؤجل نماءها لمدة سنتين، وهو ما يعكس دقة الملاحظة البيئية في الموروث الشعبي.

ولا تقتصر الغرابة والجمال على التوقيت فحسب، بل تمتد إلى طقس الزراعة الجماعي؛ إذ يُشترط أن تقوم بزراعتها نساء بأعداد فردية (ثلاث، خمس، أو سبع)، في تظاهرة احتفالية تُزف فيها النبتة كأنها “عروس” حتى تستقر في منبتها. ومع اكتمال البدر، تتفتح زهرة الكيذا المعروفة بـ )القضيم) لتعلن عن ميلاد رائحة لا تُنسى. ويمكن رصد هذه الدلالات الاجتماعية اللسانية في أربعة محاور أساسية، وهي:

أولاً: “الكيذا” كدالّ لغوي وسيميائي

في التحليل اللساني، نجد أن مفردة “الكيذا” في المجتمع العماني تجاوزت مدلولها النباتي لتصبح “دالاً” (Signifier) على مفاهيم اجتماعية مجردة. ارتبطت الكيذا بمفاهيم “النقاء” و”الحشمة”؛ فالفتاة التي تُزف بالكيذا هي فتاة نالت نصيباً من الطهارة والستر في “المعجم الوجداني” الجمعي.

ثانياً: الأهازيج: تحليل الخطاب النسائي الجماعي

تُعد “الترويدة أو الأهزوجة ” التي تصاحب الزفة جنساً أدبياً لغوياً فريداً يعزز “الهوية الجماعية” ويؤدي وظائف إنجازية (Speech Acts). تبرز لغة “الجمال والتزين ” و”المناداة” لتكشف عن مكنونات الزينة العمانية التي لا تكتمل إلا بضبط الألفاظ وحُسن اختيار العبارات والمفردات.

تلقي القائدة وهي المرأة التي تتعنى” الشطر الأول، وترد المجموعة بالشطر الثاني مع إيقاع مشي منتظم. أهزوجة “يو دان دان” (الأكثر شهرة):

يو دان دان دان يو الكيذا.. يا الله يا عين..

يا ساكنين (في) نخل يو الكيذا.. يا الله يا عين..

هبّت علينا هبوب.. يو الكيذا .. يا الله يا عين..

من ديرة المحبوب.. يو الكيذا.. يا الله يا عين..

وفي أهزوجة أخرى:

بادي بذكر الله وعين النبي تراك.. يا حافظ الأرواح تحفظ خُطانا..

يا غصن “كاذي” نِبت في جِيد الفلج.. ريحك خذت عقلي وطيّب سِمانا..

شلنا “القفير” وفي وسطه الدر المكنون.. بياض الكيذا يشبه بياض نـوايانا..

وهنا يلاحظ مدى ترابط العلاقة الوثيقة بين اللغة، والمجتمع، والبيئة الجغرافية لزهرة الكيذا .

ثالثا: التنوع اللهجي والاجتماعي (Dialectology)

صيغ النداء والترنيم: استخدام “يو” و”يا الله يا عين” يمثل أنماطاً لغوية تقليدية في الفنون النسائية العمانية، تعمل هذه العبارات كـ “فواصل إيقاعية” تساعد في الأداء الجماعي وتكرار النص (Chanting)، مما يسهل حفظ التراث الشفاهي وتناقله عبر الأجيال في الذاكرة العمانية

الجندر واللغة: بصفتها “أهزوجة نسائية”، تمتاز اللغة بالرقة واستخدام استعارات عاطفية (ديرة المحبوب، هبوب، الوجع)، مما يعكس طبيعة التعبير اللغوي لدى المرأة في المجتمع التقليدي، حيث يُسمح في الفن الشعبي بالتعبير عن مشاعر الحنين والشوق بصورة رمزية.

رابعا : سلطة اللغة وحراسة الذاكرة

في كل حدث لغوي، يوجد “قائد” للخطاب في زفة الكيذا هي الشخصية المهيمنة لغوياً، فهي التي تمتلك “الكفاية التواصلية” والذاكرة التي تحفظ عشرات الأبيات و المفردات المرتبطة إما بالمكان أو الزمان، وهي المسؤولة عن ضبط التراتبية اللغوية وانتقال الخبرة من جيل القائدات الرائدات إلى جيل الشابات، مما يضمن استمرارية “النص الثقافي” للزفة.

خامسا : التحول من العفوية إلى “الفلكلور المستعرض”

نلاحظ اليوم تحول زفة الكيذا من “ممارسة اجتماعية عفوية” إلى “فعل استعراضي” في المحافل والمهرجات. هذا التحول من “اللغة الكائنة” إلى “اللغة الأيقونية” يعكس رغبة المجتمع في الحماية الصورية للهوية، ولكنه يستوجب الحذر من فقدان الحرارة الوجدانية والدلالات الاجتماعية العميقة التي كانت تُعاش في البيئة الأصلية بجانب الأفلاج والحارات. الملاحظ أن هذه الزهرة أثبتت حضورها في ثقافات جنوب شرق آسيا والحضارات القديمة كالفيتنامية والتايلاندية والماليزية والهندية ففي اللغات السنسكريتية الهندية تستخدم في النص السنسكريتي (Ketaki) كيتاكي لتدل على هيبة دينية لتحمل معنى القدسية والرمزية الروحية العميقة.

عطرٌ يكتبُ التاريخ

إن “زفة الكيذا” لم تكن يوماً مجرد احتفالية عابرة، بل هي “نشيدٌ وجودي” تعزفه نساء سلطنة عُمان على أوتار الذاكرة والوفاء. إنها البرهان القاطع على أن الجمال لا يُرى فقط، بل يُشم ويُسمع ويُحس عبر لغةٍ صاغتها المرأة العمانية بذكاءٍ فطري مذهل. سيبقى الكيذا رفيقاً للمندوس، وتاجاً للجدائل، وأهزوجةً تملأ الفضاء؛ طالما ظلت هناك امرأةٌ عمانية تؤمن بأن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي ينبت من جذور الأرض ويستوي على سوقه، ليقول للعالم بأسره: “هنا عُمان.. هنا حيث يتنفس التاريخ عطراً، ويستحيل الموروث حياةً تتجدد مع كل فجر.”

المصادر والمراجع:

1. مقابلة ميدانية مع الفاضلة زوينة بنت سعيد بن خلفان العبرية /متحف البيت الغربي بولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة.

2. الموسوعة العمانية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.

3. د. سعيدة بنت خاطر الفارسي، المرأة في الشعر الشعبي العماني.

4. سلوى الغطريفية، المرأة العمانية بين الموروث والحداثة.

5. أساور بنت ناصر، النباتات العطرية في الذاكرة العمانية.


*باحثة في اللسانيات الاجتماعية ومفردات التراث العماني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى