الثقافي

الدبلوماسية البحرية العُمانية

عبدالعزيز بن علي الخروصي*

كان البحر منذ فجر التاريخ أفقًا مفتوحًا للحكمة، وجسرًا للتواصل الإنساني، ومنبرًا لدبلوماسيةٍ سبقت عصرها؛ فمن بين أممٍ كثيرةٍ اتخذت البحر ساحة صراع أو مطمع نفوذ، تفرّدت سلطنة عُمان بأن جعلته وسيلة سلام، وميدان نجدة ورسالة حضارية عابرة للحدود.

منذ أن أشرقت الشمس على السواحل العُمانية، تشكّلت علاقة الإنسان العُماني بالبحر على أساس أخلاقي قبل أن تكون ملاحية؛ علاقة لا تعرف الهيمنة ولا تُجيد العزلة، بل تقوم على الانفتاح واحترام الآخر ونصرة المظلوم، وهكذا لم تكن السفن العُمانية تحمل البضائع وحدها، بل حملت معها قيم العدل والتسامح وصون الكرامة الإنسانية.

في القرن الثالث الهجري وتحديدًا في منتصف القرن التاسع الميلادي سطّر الإمام الصلت بن مالك الخروصي صفحة ناصعة في سجل الدبلوماسية البحرية، حين وجّه أسطوله إلى جزيرة سُقطرى استجابةً لاستغاثة أهلها من بطش الأحباش، ولم تكن تلك الحملة مجرّد تدخل عسكري، بل جاءت فعلًا إنسانيًا راقيًا تُوّج باتفاقية تحفظ لأهل الجزيرة دينهم وحقوقهم وكرامتهم، في سابقة تاريخية تُعد من أوائل النماذج الموثّقة لحماية الحقوق الإنسانية عبر البحر.

وفي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، تجلّت ذات القيم في موقف الإمام أحمد بن سعيد آلبوسعيدي، مؤسس الدولة البوسعيدية، حين وجّه أسطولًا بحريًا إلى مدينة البصرة إبّان حصارها من قبل قوات نادر شاه الفارسي؛ فقد كان التدخل العُماني آنذاك خاليًا من أي مطامع توسعية أو مكاسب مادية، وجاء بدافع إنقاذ مدينة عربية من حصار خانق، ليُسجّل بذلك مثالًا نادرًا في نُبل التدخل البحري، ويؤكد مبدأً عُمانيًا راسخًا مفاده أن البحر وسيلة للوئام لا للعدوان.

مع دخول القرن التاسع عشر انتقلت الدبلوماسية البحرية العُمانية من محيطها الإقليمي إلى آفاق عالمية أوسع، حين حملت سفينة السلطانة على متنها أحمد بن النعمان الكعبي، مبعوث السلطان سعيد بن سلطان إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٤٠م، ليصبح بذلك أول سفير عربي يصل إلى الشواطئ الأمريكية، ولم تكن تلك الرحلة حدثًا عابرًا، بل شكّلت بداية علاقات صداقة وتبادل تجاري بين الشرق والغرب، وخلّدت اسم سلطنة عُمان دولةً حاضرة في المشهد الدولي بروحها السلمية ووعيها الحضاري.

ولم يكن هذا الحضور البحري العُماني ليبلغ مداه لولا قامات ملاحية عظيمة خلّدها التاريخ، وفي مقدمتها أسد البحار أحمد بن ماجد، العالِم الملاح والقبطان العُماني الذي أسهم في إرساء أسس علم الملاحة الحديثة، ودوّن معارف دقيقة عن البحار وخطوط الطول والعرض، وقد كان علمه جسرًا للتواصل لا أداة للغزو، ومدرسةً للسلام لا وسيلة للهيمنة، فمثّل نموذجًا للعالِم الذي يخدم الإنسانية بعلمه.

أمَّا في العصر الحديث استلهمت سلطنة عُمان هذا الإرث البحري العميق، فعملت على إحيائه وتقديمه للعالم برؤية معاصرة، فجاء ترميم سفينة فتح الخير في مدينة صور رمزًا حيًا لذاكرة الملاحة العُمانية، وشاهدًا على مرحلة تاريخية كانت فيها السفن العُمانية تجوب المحيطات بالتجارة النظيفة والعلاقات الإنسانية الراقية بعيدًا عن القرصنة أو الاستعمار.

ومن أمواج الماضي إلى رياح الحاضر، أطلقت سلطنة عُمان مشروع سفينة شباب عُمان في سبعينيات القرن العشرين، لتكون رسول سلام ومحبة في المحافل الدولية، تحمل شباب الوطن إلى موانئ العالم سفراءَ للثقافة والتسامح، ثم جاءت شباب عُمان الثانية لتواصل المسيرة، محققة حضورًا دوليًا لافتًا، ومشاركةً في مهرجانات بحرية عالمية، حاصدةً جوائز مرموقة، ومجسّدةً الدبلوماسية البحرية في صورتها الحديثة.

هكذا من رحلة الإمام الصلت بن مالك في القرن الثالث الهجري، إلى أشرعة شباب عُمان الثانية في القرن الحادي والعشرين، يتضح أن سلطنة عُمان لم تغب يومًا عن البحر، بل ظلّت تعود إليه برؤيةٍ أبهى ورسالةٍ أعمق؛ فالدبلوماسية البحرية العُمانية ليست ممرًا جغرافيًا، بل تاريخ من النجدة، وتقاليد من الحكمة، ومنهج ثابت في بناء السلام.

وفي عالمٍ تتلاطم فيه أمواج المصالح والصراعات، تقف سلطنة عُمان مثالًا للدولة التي عرفت كيف تُبحر بقيمها قبل سفنها، وكيف تجعل من البحر لغةً للحوار لا للصدام، ورسالة إنسانية متجددة تعبر الحدود دون ضجيج.
فإذا كان التاريخ يُقاس بما يتركه من أثر، فإن أثر سلطنة عُمان البحري سيظل شاهدًا على أن الحكمة إذا أبحرت وصلت.

————————

  • رئيس لجنة العضويات والفعاليات – الجمعية التاريخية العُمانية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى