الثقافي

الخير العائد بلا موعد

صالح بن سعيد الحمداني

في خضمِّ الحياة وتقلباتها يمرّ الإنسان بمواقف كثيرة تختبر مبادئه وقيمه، وتضعه أمام سؤال جوهري لماذا نفعل الخير؟ وهل يستحق أن نبذله في عالمٍ قد لا يقدّره دائمًا؟ تأتي العبارة «تأكد بأنك عندما تعمل خيرًا، وتُلقيه بحرًا، ستجرفه الأمواج إلى شاطئك مجددًا ولو بعد حين…» لتجيب عن هذا السؤال بعمقٍ إيماني وأخلاقي، وتعيد توجيه البوصلة نحو المعنى الحقيقي لفعل الخير، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو انتظار المقابل العاجل، وإنّ الخير في جوهره ليس صفقةً بين الناس، ولا تجارةً مربوطة بالربح والخسارة، إنه قيمة سامية تنبع من صفاء النفس ونقاء السريرة، وحين يعمل الإنسان خيرًا وهو مدركٌ أن هذا الخير قد لا يُقابل بالشكر، فإنه يرتقي فوق منطق المصلحة، ويصل إلى مرتبة العطاء الخالص، ففكرة “إلقاء الخير في البحر” تعبّر عن التحرر من التعلّق بالنتائج، وعن الثقة العميقة بأن للكون سننًا عادلة، وإن خفيت تفاصيلها عن أعين البشر.

كثيرًا ما يُصاب الإنسان بالإحباط عندما يُساء فهم نواياه، أو حين يقابل الإحسان بالجحود، فيتسلل إلى قلبه الشك هل كان فعله صائبًا؟ وهل أخطأ عندما اختار طريق الخير؟ هنا تأتي الحكمة العظيمة في القول «فإن وقع في أهله فهم أهله، وإن وقع في غير أهله فأنت أهله»، فهذه العبارة تختصر فلسفة أخلاقية متكاملة، مفادها أن قيمة الخير لا تُقاس بمن يستقبله وإنما بمن يقدّمه، فحين تُحسن فإنك تثبت لنفسك أولًا أنك أهلٌ للخير، وأنك لم تترك ردود أفعال الآخرين تغيّر حقيقتك أو تشوّه مبادئك، ولعلّ من أكثر العبارات شيوعًا التي تُثبّط الناس عن فعل الخير قولهم “خيرًا تعمل شرًا تلقى”، هذه المقولة رغم انتشارها تحمل نظرة تشاؤمية تختزل التجربة الإنسانية في مواقف سلبية محدودة، أما العبارة التي بين أيدينا، فتواجه هذا التصور بوعي أعمق حين تقول «ولكن قل واعمل خيرًا، أجرًا تلقى»، فهي تنقل الإنسان من أفقٍ دنيويّ محدود إلى أفقٍ إيمانيّ رحب، حيث لا يكون الناس هم الميزان النهائي للأعمال بل الله سبحانه وتعالى، الذي لا تضيع عنده النيات ولا الأفعال.

إنّ الإيمان بأن الله لا ينسى حتى وإن نسي الناس، يمنح القلب طمأنينة عظيمة، فالإنسان بطبيعته ضعيف، يتأثر بكلام الآخرين ونظرتهم، وقد يتردد في الاستمرار بالعطاء إذا لم يجد التقدير، لكن حين يستحضر أن الله مطّلع على كل صغيرة وكبيرة، وأنه العادل الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فإن ذلك يحرره من ضغط الانتظار، ويجعله أكثر ثباتًا واستمرارية في فعل الخير، ومن جهة أخرى فإن الخير لا يعود دائمًا بالشكل الذي نتوقعه، قد لا يعود مالًا ولا شكرًا ولا حتى اعترافًا، لكنه قد يعود راحةً في القلب، أو بركةً في الوقت، أو توفيقًا في موقفٍ آخر من الحياة، وقد يعود بعد زمن طويل، في وقتٍ نكون فيه بأمسّ الحاجة إليه، وكأنّ الأمواج التي حملت الخير بعيدًا، تعود به في اللحظة المناسبة، لا في اللحظة التي نطلبها نحن.

إنّ المجتمعات تُبنى بسلوك الأفراد ولا تُبنى بالقوانين وحدها، وبقدرتهم على الإحسان دون شروط، فحين يسود منطق “أعطِ لأخذ”، تضعف الروابط الإنسانية، ويغيب الإخلاص، أما حين ينتشر مبدأ “افعل الخير وليقع حيث يقع”، فإن ذلك يخلق بيئةً من الثقة والتكافل، ويُخرج أفضل ما في النفوس، ولنجعل هذه العبارة منهج حياة لا مجرد كلمات جميلة، تدعونا إلى أن نكون أوفياء لقيمنا، وألا نسمح لتجاربنا السلبية أن تحوّلنا إلى أشخاصٍ قساة أو مترددين في فعل الخير، فافعل الخير لأنك تؤمن به، لا لأنك تنتظر المقابل، وازرعه مطمئنًا، فحتى إن غاب عن أعين الناس، فإنه محفوظٌ عند الله، والله لا ينسى أبدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى