مقالات

الخواء العاطفي.. والأسرة

طاهرة الشامسي

ليس أقسى على الروح من بيتٍ عامرٍ بالأثاث، خاوٍ من الدفء، ولا أشدّ مرارة من مائدةٍ تزدحم بالأطباق، ويغيب عنها الشغف والاحتواء.

الخواء العاطفي لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ في التفاصيل الصغيرة، في صمتٍ يطول بين زوجين كانا يومًا يتبادلان الضحكات، في طفلٍ يفتّش عن نظرة فخرٍ فلا يجدها، في أمٍّ تؤدي واجباتها كاملة، لكن قلبها مُتعب لا يجد من يُربّت عليه.

الخواء العاطفي ليس نقصًا في المال، ولا ضعفًا في الإمكانات، بل هو فجوة بين القلوب، مسافةٌ باردةٌ تنشأ حين تغيب الكلمة الطيبة، وحين يُؤجَّل العناق، وحين يصبح السؤال عن الحال عادةً بلا روح. في الأسرة، كلُّ قلبٍ يحتاج أن يُسمع، أن يُحتضن، أن يُقال له (أنت مهم)، (وجودك يُحدث فرقًا)، (أنا أراك وأفهمك).

لكن حين ينشغل الأب بلقمة العيش حتى ينسى أن يقتات قلبُ أبنائه من حنانه، وحين تُرهق الأمُّ بالمسؤوليات حتى تُطفئ مشاعرها لتبقى واقفة، وحين ينشأ الأبناء بين جدرانٍ صلبةٍ من الأوامر والنواهي، يبدأ الخواء بالتسلّل، هادئًا، خفيًّا، كريحٍ باردةٍ تدخل من شقوقٍ صغيرة.

الخواء العاطفي لا يصرخ، بل يصمت، يظهر في برود المشاعر، في قلة الحوار، في الهروب إلى الأجهزة، في البحث عن الاهتمام خارج البيت.

وكم من شابٍ لم يكن عاصيًا بطبعه، بل كان جائعًا لكلمة تشجيع. وكم من فتاةٍ لم تكن متمرّدة، بل كانت تبحث عن حضنٍ آمن. وكم من زوجةٍ تغيّرت، لأنها لم تجد من يقدّر تعبها. وكم من زوجٍ انطوى، لأنه شعر أنه غير مفهوم.

الأسرة ليست سقفًا وجدرانًا، إنها دفءٌ يتجدّد كل يوم. هي مساحة أمانٍ يتعلّم فيها الطفل كيف يحبّ، وكيف يُعبّر، وكيف يشعر بقيمته. حين يغيب الاحتواء، يبدأ كل فردٍ ببناء عالمه الخاص، وينكمش داخل ذاته، وتتحوّل الأسرة من كيانٍ واحد إلى أفرادٍ متجاورين، لا متواصلين.

والحل ليس معقّدًا كما نظن. الخواء لا يُملأ بالمال، بل يُملأ بالوقت. ولا يُداوى بالوعظ، بل يُداوى بالإنصات. ولا يُعالج بالانتقاد، بل يُعالج بالقبول.

كلمة دافئة قبل النوم، دعوة صادقة في ظهر الغيب، جلسة بلا هواتف، ابتسامة عند اللقاء، اعتذار صادق عند الخطأ. كلها جسورٌ صغيرة تعيد وصل القلوب.

ختامًا ،،

فلنراجع بيوتنا قبل أن نراجع أبناءنا. ولنُصلح دفءَ العلاقة قبل أن نُطالب بالطاعة. ولنتذكّر أن القلوب إن جفّت، بحثت عن المطر في غير سمائها.

الخواء العاطفي ليس قدرًا محتومًا، بل هو إنذارٌ مبكر، يدعونا أن نعود، أن نقترب، أن نُحبّ بوعي، وأن نمنح أهلنا ما نبحث عنه خارجهم.

فالأسرة التي يسكنها الحُبّ، لا تخشى رياح الحياة، لأن جذورها عميقة، وقلوبها متصلة، وروحها واحدة، مهما تغيّرت الفصول.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى