علوم وابتكار

الخريطة الرقمية الشاملة: رؤية عمانية لتعميم “المحاضر الإلكتروني”على جميع أفلاج سلطنة عُمان

الذاكرة الرقمية للأجداد: مشروع عماني يحول أوراق الماء المتفرقة إلى أرشيف إلكتروني موثق

سناو: التكوين

احتضن مركز سناو الثقافي الأهلي ندوة “يوم الزراعة: عراقة الماضي واستشراف المستقبل” برعاية سعادة الدكتور أحمد بن ناصر البكري وكيل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه للزراعة، وبمشاركة منظمتي الفاو والمنظمة العربية للتنمية الزراعية.

ناقشت الندوة أوراق عمل علمية متنوعة كان منها ورقة عمل بعنوان مشروع المحاضر الإلكتروني (نموذج فلج اليتيّم ببلدة العيون بولاية سناو)، أعدها كل من: فاضل بن خميس العامري، معلم بمدرسة جابر بن سمرة العامري، ود. عيسى بن صالح العامري، أستاذ مساعد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية فرع إبراء.

استعرضت الورقة التي أعدها الباحثان رحلتهما العلمية والتطبيقية في مواجهة أحد أبرز التحديات التي تواجه التراث المائي العماني الأصيل، ممثلاً في نظام الأفلاج. حيث انطلقت الورقة من الإشارة إلى أن الأفلاج العمانية ليست مجرد قنوات مائية، بل هي شاهد حي على عبقرية الإنسان العماني في الصحراء، وشبكة معقدة تربط بين الماء والزراعة والمجتمع والهوية، مما جعلها تستحق تسجيلها في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

د. عيسى بن صالح العامري

وذكرت الورقة بأن هذا النظام البديع الذي صمد لقرون بدأ يعاني من هشاشة غير مسبوقة في العصر الحديث، موضحة أن المشكلة الجوهرية تكمن في تراجع المعرفة التقليدية المرتبطة بتوزيع مياه الأفلاج، والتي كانت تعتمد على حكماء العارفين بأسرار النجوم ليلاً وقياس الظل نهاراً باستخدام أدوات مثل “الخشبة”. وأبرزت الورقة أن وفاة هؤلاء الحكماء أدى إلى انقطاع خيط متصل من المعرفة غير الموثقة كتابياً، مما هدد بضياع “الآثار” – وهي الحصص المائية الدقيقة – و”البادات” – أوقات توزيعها – مما أثار قلقاً حقيقياً في نفوس الأهالي وملاك المياه من ضياع حقوقهم ومصدر حياتهم.

ولم تكتف الورقة بتشخيص المشكلة، بل قدمت تحليلاً دقيقاً للحلول الترقيعية التي لجأ إليها الأهالي، مثل التحول إلى نظام الساعة قبل عقدين من الزمن، والتي وإن حققت بعض الدقة إلا أنها فشلت في معالجة أصل الداء، ألا وهو غياب التوثيق المعتمد والشفافية، حيث بقيت السجلات عبارة عن أوراق متفرقة عرضة للضياع والتحريف، مما يهدد بفقدان كميات كبيرة من المياه ويولد نزاعات بين الملاك.

ومن هذا المنطلق، استعرضت الورقة رؤيتهما المتكاملة للحل، والتي تجسدت في مشروع طموح يهدف في مرحلته الأولى إلى تجميع كل هذه البيانات المتفرقة وتدقيقها وإخضاعها لعملية اعتماد رسمي من قبل جميع الملاك، ثم توثيقها في كتاب ورقي وآخر إلكتروني، ليكون وثيقة مرجعية قانونية وتراثية توقف نزيف المعرفة. واختارت الورقة فلج البيتيم في بلدة العيون بولاية سناو كحقل للتطبيق، وهو فلج عدي دائم الجريان يبلغ عمره أكثر مئتي عام، مقدمةً بيانات فنية دقيقة عنه من رقم حصره وملوحته ومعدل تدفقه وطوله وسواعده المغذية، مما يضفي على العمل صبغةً علميةً دقيقة.

فاضل بن خميس العامري

ثم انتقلت الورقة لتفصيل المرحلة التطويرية الأكثر إبداعاً في المشروع، ألا وهي تصميم وتنفيذ “برنامج المحاضر الإلكتروني”، الذي يمثل نقلة نوعية من عالم السجلات الورقية إلى فضاء الإدارة الرقمية. واستعرضت الورقة الوظائف الذكية لهذا البرنامج الذي صممه عادل بن سعيد الخروصي ( رحمه الله)، مبتدئةً بواجهة بيانات الفلج التي تمثل القلب النابض للنظام، حيث تسجل جميع الحصص المائية بمعلوماتها الشاملة من مالك ووقت ومدة. كما أوضحت كيف أن واجهة “قائمة ملاك الآثار” توفر سجلاً شاملاً وعادلاً لتوزيع الملكيات، بينما تمكن واجهة “البحث” المستخدم من الوصول لأي معلومة في لحظات.

وأبرزت الورقة بواجهة “كشف السقي” كواحدة من أبرز إنجازات البرنامج، حيث تتيح لكل مالك الحصول على كشف سنوي كامل بمواعيد حصته المائية على مدار العام، مما يمكنه من التخطيط لأنشطته الزراعية بكفاءة غير مسبوقة. كما تلعب واجهة “إحصائيات البواد” دور المراجع الداخلي الذي يكشف أي خلل في بيانات الإدخال. وشددت الورقة على المزايا النوعية التي قدمها هذا البرنامج، من شفافية مطلقة تمنع النزاعات، ودقة حسابية تلغي هامش الخطأ البشري، وراحة للمستخدم الذي يتلقى تنبيهاً مسبقاً بموعد حصته وهو في بيته، فضلاً عن كون البرنامج أرشيفاً رقمياً آمناً يحفظ الحقوق من الضياع.

واستعرضت الورقة ثمار هذا الجهد المتكامل، والتي تمثلت في إيجاد ذاكرة رقمية شاملة للفلج، وتوثيق تراثي مادي وغير مادي عبر إصدار الكتاب، وخلق نموذج إداري فعال يحول التوزيع العشوائي إلى عملية مؤسسية. كما أتاح البرنامج آلية واضحة لتسهيل المعاملات الاقتصادية المرتبطة بالمياه، كبيع وشراء الحصص المائية أو “القعد”. ولم تكن هذه النتائج محلية الأثر فحسب، بل حظيت باعتراف دولي، حيث تم إدراج فلج العيون من قبل كرسي اليونسكو للأفلاج كنموذج يُحتذى به في مشروع ” لمد الإلكتروني ” لتوثيق مياه الأفلاج العمانية.

واختتمت الورقة برؤية استشرافية طموحة، دعت إلى ضرورة تعميم هذه التجربة الرائدة على مستوى السلطنة، من خلال توثيق جميع الأفلاج العمانية كتابياً وإلكترونياً. كما أوصت بالاستمرار في تطوير أدوات إدارة الأفلاج بما يتلاءم مع مستجدات العصر، وصولاً إلى الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة وتوزيع المياه بشكل ديناميكي وذكي، يزيد من كفاءة الاستخدام ويحقق أعلى عائد زراعي ممكن. لتكون هذه الورقة بذلك ليست مجرد تقرير عن مشروع محلي، بل هي خارطة طريق تضع أسساً لسياسة وطنية شاملة للحفاظ على تراث مائي حي، يسهم في تحقيق أمن غذائي مستدام ويدعم الاقتصاد الوطني، proving أن الحلول الجذرية ممكنة عندما تلتقي حكمة التراث مع إبداع التكنولوجيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى