
ما بين الشرق العُماني والمغرب الجزائري، ينضج التاريخ في قدورٍ من نحاس، وتُقلبه أيادٍ من ذهب، وتُحلى الذاكرة بسكّر الروح، لا بسكّر القصب فقط.
في سلطنة عُمان، لا تُعدّ الحلوى مجرد طقسٍ احتفالي، بل فنٌ اجتماعي وثقافي عميق، يُمارَس بإتقان، ويُورَّث كما تُورَّث القصائد والأمثال.
تُطهى على نار ، في قدور نحاسية، وتُحرّك بعصا طويلة في طقوس صبر ورضا.
مكوناتها لا تُقاس بالملاعق فقط، بل بالمحبة والعراقة: سكر، ماء، نشا، سمن، هيل، ماء ورد جبلي من قمم الجبل الأخضر، ومكسرات تُلقى بعناية كأنها نجوم تُزيّن سماء النكهة.
هذه الحلوى ليست فقط لذةً للفم، بل قصيدة تُروى في المناسبات، وتُحمل كهدايا ثمينة في الأعياد واللقاءات، وتُقدَّم مع القهوة العربية كأنها ختم الضيافة وسرّها.
وفي الضفة الأخرى من الشغف، تُبدع الجزائر بحلوياتها التقليدية التي لا تُقدَّم فقط لتؤكل، بل لتُروى من جيلٍ إلى جيل، كجزء من الهوية.
من “المقروط” المغموس في العسل، إلى “الرشتة” التي تُطهى في المناسبات، و”طاجن الزيتون” الذي يلمّ الشتات حول مائدة واحدة. حيث تأتي الجوزية رائعة قسنطينة على صِحاف الجَمال والابداع
تلمسان، وهران، قسنطينة… لكل مدينة نكهتها، ولكل بيت سرّه الصغير في العجن، والتزيين، والبهجة.
وحين تجتمع الحلوى العُمانية مع نظيرتها الجزائرية في طبقٍ واحد،
فأنت لا تذوق نكهة فحسب، بل تعيش لقاء وطنين، تتنقل بين عبق أسواق مطرح، وأناشيد القصبة، تُصافح نكهةَ التمر بالجلجلان،
وتستنشق بخار ماء الورد الجبلي وعبير الزهر القسنطيني.
فلماذا لا نحلم بمهرجان “ثقافة لذيذة”، يجمع الحرفيين وصُنّاع النكهة من الجزائر وسلطنة عُمان في ورشاتٍ مشتركة؟
حيث تُعجن الوصفات بالحب، وتُطهى على نار الذاكرة، ويتمازج ماء الورد الجبلي مع عبير الجلجلان،
ويُكتب على مدخله: “من سكر عُماني ومذاق جزائري… تُصنع المحبة وتُروى الحكايات.”
الحلوى ليست طعامًا. إنها لحظة.
وكل لحظة تُحلّى، يمكن أن تُصبح بداية لصداقة، أو قصيدة، أو وطن جديد من الذوق.



