مقالات

الحلوى التي صنعت حافظًا

عبدالعزيز بن راشد الدهماني

«كم معك من القرآن يا ولد؟»

سألني الشيخ، وقد سقط حاجباه الأبيضـان على عينيه، وراح ينظر إليّ من تحتهما، رافعًا ذقنه إلى الأعلى، يكاد لا يرى.

«القرآن كلّه»، أجبته.

شهق الشيخ، وهتف: «صلّى الله على محمد… يا محمّاااد»، ومطّ الكلمة الأخيرة غير مصدّق، ثم أعادها بنبرةٍ ترتعش دهشةً: «القرآن كلّه؟!».

قلت: «نعم يا سيدي، حفظت نصفه على يد جدّي، وابتدأت ذلك وأنا في السادسة، فلما توفّاه الله حفظت النصف الثاني على يد أبي».

هزّ الشيخ رأسه من جديد، وسأل: «وكم مضى من عمرك؟».

قلت: «ثماني سنوات».

قال: «وهل معك غير القرآن؟».

أجبت: «أحبّ الحلوى».

ضيّق عينيه، وبدا أنّه لا يرى مع كثافة حاجبيه، وقال متعجّبًا: «وما شأن الحلوى؟».

قلت: «كانت مكافأة أبي على إتقاني».

وعلى الرغم من بساطة هذه القصة، فإنّها تحمل فائدةً تربويةً قيّمة؛ إذ تؤكّد أنّ التعليم الذي يُربّى عليه الأطفال ينبغي أن يكون وسطًا، فالوسطية في كثيرٍ من الأمور حلٌّ ناجح، وهذا من منطلق ديننا الحنيف، حيث قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 142].

فعندما يُربّى النشء بين الترغيب والتعزيز، وشيءٍ من الشدّة حينًا، يكون لذلك أثرٌ إيجابيٌّ واضح. فعندما سأل الشيخ كيف حفظ القرآن كاملًا، كان الجواب ـ إلى جانب الهمّة العالية ـ هو قطعة الحلوى التي كان ينتظرها من والده بعد كل إنجاز؛ تلك القطعة البسيطة التي كان لها دورٌ مهمٌّ في دفعه إلى المزيد من البذل والاجتهاد.

ومن خلال دراستي الجامعية في مرحلة الإرشاد التربوي، اطّلعت على العديد من النظريات التي تناولت مفهوم التعزيز في التربية، حيث ترى نظريات علم النفس السلوكي أنّ التعزيز هو عملية تدعيم السلوك المناسب أو زيادة احتمالية تكراره في المستقبل، بإضافة مثيرات إيجابية. وفي هذه القصة، كما رأينا، كان المثير الإيجابي والمحفّز لدى الطفل هو حبه وانتظاره لقطعة الحلوى، مما دفعه إلى الاستمرار في حفظ المزيد من سور القرآن الكريم.

ومن هنا نفهم أنّ التعزيز أمرٌ مهمّ، غير أنّه يختلف من حيث وقت تقديمه، وعدد مرات تكراره، حتى يكون ذا أثرٍ إيجابيٍّ لدى الطفل، ويؤتي نتائجه المرجوّة، وقد يدفعه لاحقًا للانطلاق نحو مجالات أخرى، كحفظ الشعر وغيره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى