السياحي

موسم السفرجل وذكريات الأرض

آمنه بنت محمد البلوشية

في قلب ولاية المضيبي بمحافظة شمال الشرقية، تتربع قرية بَعْد كلوحة عمانية نابضة بالتاريخ، حيث البيوت الشاهقة المبنية من الطين وجذوع النخل تحكي صبر الإنسان وارتباطه بالأرض. تبدأ ممرات القرية الضيقة من بوابة الحارة، أو ما يعرف بالـدروازة، كعتبة لعالم صغير يحفظ بين جدرانه أصوات الأجداد وهم يمضون أيامهم في دفء الجيرة والعمل في الأرض. هنا تتعانق خصوبة التربة مع مياهها العذبة، فتزدهر الحقول بمحاصيل الخير، وأبرزها السفرجل الذي يزهر كل خريف في شهري سبتمبر وأكتوبر، موسم يعرفه الأهالي والتجار باسم النيروز.

مع بداية الموسم، تتلون ثمار السفرجل باللون الأصفر، معلنة بداية الحصاد، ويدبّ النشاط في البساتين كما لو أن الأرض تحتفل بعطائها. وينمو في القرية نوعان مشهوران: الدائري بملمسه المستدير الممتلئ، واليحمدي بطعمه الفريد، وهما علامة مميزة للقرية منذ عقود، رمزًا للهوية الزراعية ووفاء الأرض لأبنائها.

ويُقاس السفرجل في القرية بـالقفير، الوعاء العماني الذي يحتضن الثمار، وما إن يحل موسم الحصاد حتى يتزاحم الناس على اقتنائه، إذ الإقبال عليه كثير، والكل ينتظره بشغف. وليس فقط سكان القرية من ينتظرونه، بل تنتظر الأسواق في مطرح ونزوى والسيب وصور وغيرها من المدن الكبرى هذه الثمرة المميزة بفارغ الصبر، فهي تأتيهم بعد أن تجمعها أيادي المزارعين بعناية، وتصلهم برائحة الخريف وأصالة الأرض، لتزيّن الأسواق بصفوفها الذهبية وتغري الجميع بتذوقها.

وكان العم ناصر، الرجل كثيف اللحية من شمال الشرقية، زائرًا معتادًا للسوق القديم في ولاية صور، حيث أصحاب المحلات في سوق السوق القديم يرحبون به بحرارة، ويستمعون إلى علومه وأخباره، رغم بساطة حديثه، فكل كلمة منه تحمل معلومات ثمينة. وكان يحدثهم عن سر السفرجل، وسبب الإقبال الكبير عليه في هذه الفترة؛ إذ تعمل ثمرة السفرجل على اعتدال ضغط الدم والسكري في جسم الإنسان، وتفيد الأعضاء بشكل عام، كما لها مفعول كبير في تنظيف الكبد. وكان يروي الطريقة القديمة التي استخدمها الأجداد لعلاج الالتهابات: قشر السفرجل بعد تجفيفه يُطحن ويُخلط بالحليب، ليصبح دواءً طبيعيًا فعالًا ضد الأمراض، وهذه الفوائد هي سر من أسرار هذه الثمرة.

قبل عصر الثلاجات ووسائل الحفظ الحديثة، ابتكر المزارعون طرقهم الخاصة: كانوا يلفّون السفرجل بليف النخيل، ويودعونه في غرف تحت الأرض، حيث الحرارة منخفضة والرطوبة معتدلة، ليُستخرج بعد عدة أشهر، ويُقدّم في الشتاء حين تكون الأشجار قد فرغت من عطائها. ومن حسنات هذه الطريقة أن السفرجل المار بهذه الرحلة تحت الأرض يفقد مرارته التي تشتهر بها الثمار المبكرة، ويكتسب حلاوةً نادرة، كأنه مكافأة الصبر والانتظار.

أما وادي الشاب، فقد صار اليوم من أبرز المواقع السياحية التي تشتهر بزراعة أشجار السفرجل، برغم وجود آثار البيوت القديمة التي تشبه المزارع، والتي هجرها سكانها نتيجة ظروف الحياة. وتجمع الوافدون من الجاليات الهندية والبنغالية العناية بالمزارع وبيع السفرجل، بينما يتركز الزوار القادمون من مناطق أخرى، خصوصًا من جنوب الشرقية وولاية صور، لمشاهدة هذه الثمرة النادرة وشرائها. ومع أن السفرجل يُباع اليوم في أكياس عادية وليس كما في الماضي، إلا أنه يظل من الثمار الفريدة التي تميز وادي الشاب، ويجعل من زيارته تجربة زراعية وسياحية ممتعة تجمع بين جمال الطبيعة وأصالة الأرض.

هكذا، يجتمع في قرية بَعْد ووادي الشاب التاريخ والجغرافيا والذاكرة، حيث البيوت الشاهقة والممرات العتيقة، والأرض الخصبة التي تحتضن ثمار السفرجل، لتصبح هذه الثمرة ذات الأحجام المختلفة أكثر من مجرد طعام؛ إنها قصة الأرض، وحكاية الأهالي، وعبق الذكريات، وبهجة الأسواق التي تنتظرها في مطرح ونزوى والسيب وصور، كل عام، لتصل إلى كل بيت وتزرع دفء الخريف في القلوب، وتجعل من السفرجل رمزًا للحصاد والصبر والأصالة العمانية، وتربط الماضي بالحاضر من خلال كل ثمرة تُقطف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى