يقضي الناس حياتهم في البحث عن الجمال ومصادره المتنوعة، يبحث عنه الناس حتى في خضم مشاغلهم في الحياة اليومية ويحاولون استشعاره في كل التفاصيل المحيطة بهم.
ولقد أوصانا الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث قال: (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، إِنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ وَغَمِطَ النَّاسَ).
وقال الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في أهمية الجمال والاتصاف به: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ. قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ). الراوي: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، رواه مسلم.
ويختلف مفهوم الجمال من شخص إلى آخر، أما من وجهة نظري فإني أختزل الجمال والنقاء والصفاء في شخصية الوالدين، وإنني أرى والديّ هما أساس الجمال ومنبعه، وبجمالهما تنبع محبة الله ورسوله ووطني وسلطاني، لأن الوالدين هما أساس الجمال في كل وقت وآن، ونظرة واحدة من الوالدين تضفي على القلب رونقًا وسعادة وطمأنينة، وهذا هو الجمال من وجهة نظرنا.
ويظهر ذلك جليًّا في حديث النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال).
جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس”.
حب الجمال أمر فطري، قائم في بنية النفس الإنسانية، ويُعتبر وجوده دليلًا على سلامة الطبع وصحة الذوق واستقامة الفطرة. ولذا فهو لا يحتاج إلى تعهد ورعاية، أو لنقل: إنه لا يحتاج إلى كبير عناء في تعهده ورعايته.
ومع ذلك فإن المنهج الإسلامي، تقديرًا منه “للجمال” وارتفاعًا بمنزلته إلى المكانة اللائقة به، قد عزّز في النفس الإنسانية هذه المكانة بما أيده به من تكريم وتشريف، فكان وصفًا للعظيم الجليل – سبحانه – وكان محبوبًا له، وكفى بهذا منزلة.
وفي هذا المقال نقف على تلك المؤيدات التي تعزز القيم الجمالية في النفس الإنسانية، والتي سجلها المنهج الكريم فأعطاها بذلك الأصالة والعراقة، فليست مستعارة من هنا وهناك، وليست مقتبسة من فلسفة أو علم جمال، وأنّى للفلسفة أو علم الجمال، أو كل المعارف الإنسانية أن تأتي بما جاء به من لا ينطق عن الهوى.
وذكر الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز آيات الجمال في خلق الكون، حيث ذكر الحق سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم الآية (164) من سورة البقرة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). صدق الله العظيم.
وقال الله عز وجل في محكم كتابه العزيز: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، الآية (99) من سورة الأنعام.
وقال الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). الآيات (10-12) من سورة الأنعام.
(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ)، الآية (16) من سورة الحجر.
وقال الله تعالى في الآيتين (3-4) من سورة الملك: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)
وقال الله سبحانه وتعالى في الآية (9) من سورة ق: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).
وقال الله عز وجل في سورة الصافات، الآيتين (6-7): (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ).
هذا جمال الله عز وجل وآياته في خلق الكون الجميل المبدع المعجز من صنعه سبحانه الواحد الأحد لا شريك له.
والآن ننتقل إلى آيات عن جمال المخلوقات وصنع الله الذي أحسن كل شيء صنعه.
إنّ المتأمل في مخلوقات الله تعالى يملأ نظره بالجمال والإتقان والإحسان، وصدره بالانشراح والسرور من شدة ما يراه من الحِكم العظيمة والإتقان البديع في خلقها، وهذا من دلائل قدرة الله سبحانه، ومن الآيات الكريمة التي تتحدث عن جمال المخلوقات ودقة صنعها ما جاء في كتاب الله العزيز الحكيم: قال الله عز وجل في سورة الإسراء الآية (70): (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
وقول الحق سبحانه وتعالى في بديع خلق الأنعام في سورة النحل الآيتين (5-6): (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ).
وخلق الحيوانات وسخرها للإنسانية، حيث قال الله عز وجل في سورة النحل الآية (8): (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
وفي خلق الأرض وتسخيرها للإنسانية كي يعمروها ويتمتعوا بالطيبات من الرزق ويعبدوا الله عز وجل حق عبادته دون إفراط أو تبذير، والمحافظة على الجمال، قال الله عز وجل في سورة غافر الآية (64): (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
الحديث عن الجمال في القرآن والسنة شيق للغاية ولا يختصر في مقال، والجمال الحقيقي نور القلب والروح والسكينة والطمأنينة والقرب من الله عز وجل، ويتجلى ذلك في الرقي والأدب وحلاوة اللسان وحسن التعامل مع الآخرين بطيب الكلام.
ونستلهم بعض أبيات الشاعر السعودي عدنان النحوي، حيث قال عن الجمال:
خَـلَـقْـتَ الجَمَـالَ لَـنَـا آيَــةً
تَطُـوفُ القُلــوبُ بهَـا وَالعَيُونْ
وَأَبْدَعْـتَ في الكَــوْنِ مَـا تَجْتَلي
عُـيُـونٌ وَمَـا هُـوَ سِـرٌّ دَفِـيـنْ
وَزيَّـنْـتَـهُ! يَـا لَـهَـذَا الجَمَـالِ
وَهـذا الجَــلاَلِ وهــذا الحنيـن
فَتـَخْـشَـعُ في نُـورِه أَضْـلُـعٌ
نصل إلى أن الجمال العظيم يأسرنا، ولكن الجمال الأعظم يحررنا من أسر ذاتنا. فالجمال الطبيعي انعكاس للروح، ولا يكون الشيء جميلًا إلا بقدر ما يصدر عن الروح.
كلما شاهد الإنسان جمالًا أرضيًا تذكر الله، لذلك ينبغي تمجيد الخالق سبحانه وتعالى وبديع خلقه ومعجزاته في الجمال الكوني ومخلوقاته



