مقالات

التواصل: “افهم قبل أن تُفهِم”… رسالتي إلى الوالدين

عبد الله بن سالم المعولي

حقيقةُ الخلاف الذي نلاحظه بين الجيلين — جيل الآباء وجيل الأبناء — يحتاج إلى وقفةٍ متأنية ودراسةٍ مستفيضة لفهم الفجوة التي تتسع بينهما. فمن خلال الملاحظات اليومية والبحث عمّا وراء السلوك من دوافع، ندرك أن لكل فعلٍ سببًا، ولكل تصرّفٍ دافعًا. لذا، علينا أن نركّز ونجتهد في معرفة هذه الأسباب إذا أردنا معالجة الصراع القائم بين الجيلين، وما يصاحبه أحيانًا من خلافات حادة.
ويذكّرني ذلك بموقفٍ لطالبٍ في الصف العاشر، عندما كنتُ مديرًا لمدرسة تضم الصفوف من (10–12). فقد أبلغني أحد المعلمين أن لجنة الانضباط تعتزم اتخاذ قرارٍ بفصل الطالب بسبب سلوكياته المتكررة. طلبتُ منهم التريّث، واستدعاء وليّ أمره لمقابلتي.
وعند حضور وليّ الأمر، بدأتُ أسأله عن ابنه، فأفادني بأنه لم يره في المنزل منذ ثلاثة أيام! هنا أصبتُ بدهشةٍ كبيرة: كيف يترك أبٌ ابنه في هذا العمر خارج المنزل دون أن يسأل عنه؟ أين يذهب؟ مع من يقضي وقته؟ كيف يأكل؟ وكيف هي أحواله؟ لكن ما صدمني أكثر تلك العبارة التي قالها وليّ الأمر: «أنا لا أريد أن أراه».
حينها قلتُ له: هذا ابنك، وأنت وليّ أمره، ومسؤولٌ عنه أمام الله تعالى وأمام الجهات الرسمية، وأي مكروهٍ قد يصيبه ستكون أنت أول من يُسأل عنه. وذكّرته بحديث رسولنا ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».
قد تطول تفاصيل هذه الحكاية، لكنني أوردتها لأُبيّن عمق الفجوة التي قد تنشأ بين بعض أولياء الأمور وأبنائهم. فكثيرًا ما نرى آباءً وأمهاتٍ يعيشون الحاضر بعقليات الماضي، وقد كتبتُ سابقًا أننا بحاجة إلى تربية الآباء قبل تربية الأبناء على تحمّل المسؤولية. فلم تعد المسؤولية تقتصر على توفير المأكل والملبس، بل هي أوسع من ذلك؛ إنها بناء شخصية متوازنة قادرة على النجاح وتحمل مسؤولية نفسها ومجتمعها.
ومن هنا، أدعو أولياء الأمور إلى الصبر والتفهّم؛ فالتربية في هذا العصر مهمة صعبة، وتتطلب ثقافةً واطلاعًا مستمرًا. ومع الأسف، ننجب أبناءً لكننا لا نتعلّم كيف نتعامل معهم. وقد قيل عن هذا الجيل: «ارحموهم، فإنهم وُلدوا في زمن التكنولوجيا والمعرفة والتحديات الفكرية»، وهي ظروف لم يعشها الآباء في نشأتهم.
ولو أننا مررنا في طفولتنا ومراهقتنا بما يمرّ به أبناؤنا اليوم، لرأينا من أنفسنا ما قد نستغربه. فالطبيب يدرس سنواتٍ طويلة ليصبح طبيبًا، والمهندس يدرس سنواتٍ ليصبح مهندسًا، والمعلم كذلك؛ لكن كم من الوقت يتعلّم الوالدان ليصبحا أبًا وأمًا؟ نادرًا ما يُعِدّ الإنسان نفسه لهذه المهمة العظيمة.
لذلك، بدلًا من الإنفاق المبالغ فيه على المظاهر، لِنستثمر جزءًا من أموالنا في التعلّم والتدريب على مهارات التربية، وكيف نكون آباءً وأمهاتٍ قادرين على التواصل الفعّال مع أبنائنا، نفهمهم قبل أن نطالبهم بفهمنا، وندرك احتياجاتهم قبل أن نفرض قراراتنا عليهم.
تعلّموا خصائص المراحل العمرية لأبنائكم، لتستطيعوا التمييز بين ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي في سلوكهم، وتتعرفوا إلى الأساليب التربوية المناسبة للتعامل مع مواقفهم المختلفة. وابتعدوا عن التذمّر من صعوبة تربيتهم، وعن المواجهات الحادة عند الاختلاف في الرأي أو التفكير.
وللحديث بقية — بإذن الله — في المقال القادم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى