مقالات

التطوع حياة لك ولغيرك

فاطمة بنت درويش البلوشية

يُعدّ التطوّع من أسمى صور العطاء الإنساني، فهو عمل نابع من رغبة صادقة في خدمة الآخرين دون انتظار مقابل، ويشكل التطوع سلوكا أصيلًا من الهوية الحضارية للمجتمعات العربية والمسلمة، حيث تجسدت قيم التعاون والإحسان والتكافل في تراثها الديني والاجتماعي، ويستطيع الفرد من خلال التطوع أن يكون عنصرًا فعالًا في بناء المجتمع، وأن يساهم في نشر الخير وتخفيف المعاناة وترسيخ روح المسؤولية الجماعية، ويُعدّ التطوّع ركيزة أساسية لبناء مجتمعات متماسكة، حيث يُنمّي القيم الأخلاقية، ويُعمّق الإحساس بالمسؤولية، ويُعزّز روح المشاركة الإيجابية، على مستوى الفرد كما يمنح التطوّع خبرات جديدة، ويوسّع دائرة المعرفة، ويطوّر مهارات التواصل والعمل الجماعي، ويُسهم في بناء الثقة بالنفس ويمنح المرء شعورًا بالإنجاز والتأثير.

وفي الوقت نفسه يعد التطوع هدفا اسمى وغاية عليا في حياة الفرد المسلم فهو يُشكّل جسرًا بين مختلف فئاته، على مستوى المجتمع، ويساعد على سدّ الفجوات الاجتماعية، ويُساند المؤسسات بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم في مواجهة التحديات، وتزداد هذه الأهمية في المجتمعات العربية المسلمة التي تقوم على مبادئ التكافل و”التعاون على البر والتقوى”، وتظهر أسمى وأروع صور التطوع في المجتمعات العربية المسلمة من خلال ممارساتها اليومية، فثقافة العطاء متوارثة في الأسر، ومفهوم الصدقة والإحسان جزء من الحياة العامة، وتقديم المساعدة للمحتاجين فعل يُقابَل بالإجلال والتشجيع، وهنا يبرز الجانب الروحي للتطوّع، حيث يسعى الإنسان إلى خدمة غيره ابتغاء لمرضاة الله، واستجابة لقواعد دين تحضّ على الإيثار والتراحم.

كما تتجلّى صور التطوّع في مبادرات الشباب الذين ينظّمون حملات لمساعدة الفقراء، ودعم التعليم، وحماية البيئة، ورعاية كبار السن، وتتجسد أروع الملاحم الجماعية خلال الكوارث والأزمات، فتتكاتف الأيدي لتقديم المأوى والغذاء والدواء، وهو مشهد عميق يعكس قيم الأخلاق الإنسانية ومتانة الروابط الاجتماعية، وتأتي جميع تلك المبادرات الإنسانية على المستوى الفردي والمجتمعي يدا بيد مع المؤسسات الخيرية والمساجد والجمعيات التطوّعية التي تُعدّ محاضن للعمل المجتمعي، تسهّل جهود المتطوّعين وتوجّه طاقتهم لخدمة الصالح العام.

ويظلّ التطوّع قيمة إنسانية تجسد معنى الإحسان والتفاني في خدمة ورعاية فئات المجتمع المختلفة، والذي يزيد من رقي الفرد وتماسك المجتمع، وهو في المجتمعات العربية المسلمة قيمة عليا يؤكّد على روح الأخوة والإيثار التي تستدعي من كافة الجهات العمل على تعزيز ثقافة العمل التطوعي لبناء مجتمع قوي، ومتعاون، وايجابي، قادر على النهوض بالمجتمع، فهو ليس مجرّد نشاط عادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى