مقالات

التراب .. الجسد الأول للكون وروح السكون

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

إذا كنّا، في مقالين سابقين، وحينما صاح القلبُ النابضُ قبضًا وانبساطًا، وباحَ عبر القلم، وكتبنا عن الماءِ وعن الهواءِ، واللَّذينِ — بلا أدنى شكّ — هما غذاؤه ونَفَسُه، يجريان عبر عروقه وشرايينه في الجسد، وفي كلِّ كائنٍ حيٍّ إلى جانب الإنسان وحياته، بقدرِ الله، وذلك عبر مجلّتنا الحبيبة «التكوين»؛ فإنّ الرّوح ظلّت تنوح وتُلِحّ أن نُلحقهما بمقالٍ مستقلّ، يكون تاجُ عنوانه: “التراب”

ففي البدء كان التُّراب… التراب !؟…نعم التراب هذا المخلوق العظيم، بل والعظيم جداً!

لا بوصفه غبارًا تذروه الرّياح، ولا مادّةً صامتةً تُداس على الطُّرقات، بل بوصفه الجسدَ الأوّلَ الذي قَبِلَ التّشكيل، والسُّكونَ الذي احتمل السِّرّ. لم يبدأ القرآنُ حكايةَ الإنسان من السّماء،

بل من الأرض: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾.

كأنّ البداية وُضِعَت عمدًا في أدنى العناصر، لا انتقاصًا، بل ليُضبَط الميزان منذ اللّحظة الأولى، فلا يتيه الإنسان حين يعلو، ولا ينسى حين يُمكَّن. لم يُخلَق آدم ليكون ابن السماء وحدها، ولا أسير الأرض وحدها.

جُبل جسده من التراب، ليحفظ وزن التواضع، وأُسكن الجنة أولًا، ليحمل في ذاكرته معنى العلوّ والشوق اليها ﴿وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾

فكانت الجنة موطن التعريف، وكانت الأرض موطن التكليف. لم يكن الهبوط سقوطًا، بل انتقال الرسالة من مقام القرب إلى مقام العمران. ولو شاء الله لخلق آدم في الأرض مباشرة، لكنّه أراد للتراب أن يعرف أنّه يحمل أثر الجنة، وأراد للإنسان أن يعرف أن جسده أرضيّ، ووجهته سماوية.

وهكذا لم يكن التراب مادة خلق فحسب، بل أمانة، وذاكرة، ومقام البداية الأولى. لم يُنشأ آدم من عنصرٍ واحد، ولا من مادةٍ عابرة، بل من ترتيبٍ قصديّ، كأن الخالق حل في علاه يُعلِّم الإنسان كيف يُبنى الوجود قبل أن يُطالبه بأن يعيش فيه.

بدأ بالماء، لا ليحيا الجسد، بل لتستيقظ القابلية. ثم كان التراب، ليستقرّ الشكل، ويُعطى الوجود ثقله. ثم جاء الحمأ، ذاكرة المادة الأولى حيث يختمر المعنى في صمت قبل أن يُعلَن.

ثم صار طينا قابلا للتسوية ينحني للشكل دون أن ينكسر. ثم بلغ صلصالا فأعلن اكتمال الهيئة،

وصار الجسد حاضرا لا ساكنًا.

ثم استُكمل الجسد لا حيًّا بعد، بل مهيأً للحمل.

حتى جاءت النفخة…لا كعنصرٍ سابع، بل كعهد. فصار التراب إنسانا وصار السكون وعيًا، وصارت المادة معنى.

أما أبناء آدم فلم يُعاد لهم هذا الخلق الكوني لأن الآية لا تكرر، بل سُنّت لهم سنن الحياة.

نطفةٌ تُعلن البداية علقة تتعلّق بالوجود، مضغة تتشكل، عظام تقام، لحم يكسى، جسد يكتمل، ثم روحٌ تُودَع…لا لتُنشئ الحياة، بل لتُذكّر بأصلها.

هكذا افترق الخلق واجتمع: آدم خُلق ليكون آية البداية حين كون من سبعة، وذريته خُلقوا أطواراً سبعة ليكونوا أمانة الاستمرار.

إذا كان الماء نبض الوجود والهواء روح الحياة فإن التراب هو الهيكل الصامت الذي قامت عليه دورة الكون. هو الأرض الأم، التي احتضنت أول جسد وسكنت فيها نفخة الغيب.

فالتراب في فلسفة الخلق ليس مادةً جامدة، بل ذاكرة تحفظ الأثر وشاهدا لا ينسى ومعلما لا يتكلّم إلا حين يُؤمر.

كل أثرٍ يختفي عن العيون يبقى محفوظًا في الأرض وكل سرٍّ ظُنّ أنّه اندثر يظلّ منقوشًا في ذرّاتها.

ولهذا يقول القرآن: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، لا كتهديد، بل كعودةٍ عادلة، حيث تسقط الألقاب، وتذوب الفوارق، ولا يُسأل الإنسان إلا عن أثره.

من هنا يتعلّم الإنسان التواضع، لا بوصفه خُلُقًا اجتماعيًا، بل بوصفه معرفة.

فمن عرف أن جسده من الأرض، وغذاءه من الأرض، ومصيره إلى الأرض، سقط عنه وهم الاستعلاء دون مقاومة.

وتحت هذا السكون الظاهري، تعمل الحياة بلا ضجيج: جذورٌ تشقّ الظلام، وبذورٌ تُدفن لتنبت، وأرضٌ تتدرّب كل يوم على مشهدٍ أعظم.

﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. فالخروج ليس غريبًا عن سنن التراب، بل اكتمالها.

لم تكن الأرض يومًا خلفيةً للمعجزة، بل شريكًا فيها.

من ترابٍ خُلق آدم، وعلى ترابٍ سار الأنبياء، ومن تراب بدر صيغ معنى النصر.

وحين تنتهي الرحلة، لا يبقى وطنٌ لا يُغادره الإنسان إلا التراب.

هو الذي لا يُغلق بابه، ولا يفرّق بين غنيٍّ وفقير، ولا يخذل أحدًا.

التراب ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وعودته، ومعناه.

ولهذا كانت أقرب لحظةٍ إلى الله، هي تلك التي تلامس فيها الجبهة

التراب…وتسجد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾.

سبحان ربي الأعلى… واجب الوجود، وواجد الوجود، وربّ كل موجود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى