الثقافي

الباحث عن ذات الآخر – 6

خلفان بن علي الرواحي

في المستشفى تم نقل “شامس” من غرفة العناية المركزة إلى غرفة الملاحظة في القسم الباطني وقد انقطع الزوار المعتادون، الذين كانوا يمرون عليه بين فترة وأخرى، حتى “مروان” لم يعد يمر فقد عاد إلى قريته منذ مدة بعيدة، على أمل أن تتحسن حالة “شامس” ويتم التواصل معه عن طريق الشرطة أو غيرها من الجهات الرسمية، ظل على حاله ممددا بدون أي حراك، أحيانا كانت هناك كلمات تخرج منه دون أن تفهم، أحدى الممرضات التي كانت تهتم بوضعه، شدها ذلك الأمر وعمدت إلى تسجيل بعض الألفاظ التي تخرج من شفتي “شامس” واحتفظت بها، كثيرا ما حاولت أن تربط بين تلك الكلمات ولكن دون جدوى فليس هناك تشابه أو علاقة تربطها، قالت لها زميلاتها: لا أدري لماذا أنت تهتمين بهذا المريض دون غيره؟

– أنا بنفسي لا أعرف السبب لذلك، ولكن هناك أمر داخلي يدفعني إلى ذلك، ما هو لا أعرف، حاولت الابتعاد عنه وألا أركز بموضوعه ولم أستطع.

– ما الكلمات التي جمعيتها حتى الآن؟

– هو لم يقل كثيرا، “تخرج ورقة من الدرج الذي بجانبها” من الكلمات التي يكررها كثيرا “أولادي” منها نعرف أن هذا الرجل لديه أولاد ربما، لكن أين هم؟ لا نعرف، أيضا من الكلمات التي تتردد كثيرا عنده “لصوص” هل هناك من سرق أمواله؟

– تقصدين أن أولاده سرقوا أمواله؟

– لا أعرف! قد يكون أولاده وقد يكون آخرون، مرة واحدة نطق اسم امرأة “شريفة” والغريب أنه قال بعدها بفترة في نفس اليوم “لا تعرف شيئا”.

– ربما تكون “شريفة” أم أو أخت أو زوجة أو ابنه، كل شيء جائز.

– بما أنه نطق هذا الاسم فهذا دليل على أن من يحمله كان مقربا من “شامس” ما هي العلاقة التي تربطه بها ليس مهما الآن.

خلال ما كانت الممرضتان تتحدثان في موضوع “شامس” يقف أمامهما رجل يسأل موجها الحديث لأحدهن: تم نقل رجل من العناية المركز إلى هنا، أين أجده؟

– “شامس”

– “وهو في ربكة وكأن الاسم لم يعجبه” نعم هو.

– أنه في السرير رقم 23 في غرفة الملاحظة.

– شكرا

ينصرف الرجل ويدخل إلى غرفة الملاحظة ويتجه مباشرة إلى السرير 23 ويقترب منه، ينظر إليه، ويضع يده على رأسه ويتمتم بشيء من الكلمات لا أحد يسمعها. من بعيد كانت الممرضة تراقب الرجل وحركته مع “شامس” لم تتمالك نفسها نهضت من مكانها وذهبت إلى سرير “شامس” وكأنها تقوم بالفحص الاعتيادي اليومي عليه، خلال ذلك كانت ترمق الرجل بنظرات كلها أسئلة تبحث عن إجابات، قالت له: نقل إلي القسم معنا منذ مدة، ولكن لم يزره أحد، أنت أول زائر له.

– “بنظرة استهجان” لقد زرته قبل هذا في العناية المركزة.

– جزاك الله خيرا، هل تربطك به قرابة؟

– لا

– ربما صداقة؟

– هو رجل طيب، الكل الآن أصدقاؤه.

لم ترد عليه، ولكن جملة “الكل الآن أصدقائه ” علقت في ذهنها، وقبل ذلك هل كان لديه أعداء؟ وهذا الرجل ما علاقته به والواضح أنه يعرفه ماضيه، ولكنه لا يصرح به.

كل هذا دفع “هدى” للذهاب إلى قسم العناية المركزة حيث كان “شامس” يرقد وتسأل عن هذا الرجل، ربما تصل إلى شيء. عندما عادت سألتها زميلتها: هل وصلت لشيء؟

– قام بزيارته في أول أيامه بالمستشفى، ولكنه لم يقل شيء، وكذلك أنكر معرفته به.

– غريب هذا الأمر يزوره دون أن تكون هناك علاقة تربطهما أمر مستبعد.

– صحيح لابد من وجود علاقة بين “شامس” وهذا الرجل ربما الأيام القادمة تكشف ذلك.

– أصلا قصة “شامس” هذا كلها إلغاز محتاجة أحد يكشفها، الغريب أن الشرطة لم تقم بالبحث والتحري عنه، لكن مع وجود المحققة “هدى” سوف تتضح الأمور.

– أعرفك تضحكين عليَ!!

“شامس” فاقد للوعي واستمر في المستشفى لأشهر، مع العناية به ونظافته بدأت ملامح الحقيقية تظهر فقد تلاشت تلك الطبقة السوداء التي كانت على بشرته وبدا وجهه المشع الذي يتألق جمالا، فكل من ينظر إليه يرتاح وتدخل الفرحة إلى نفسه، فأصبح محبوبا من الجميع، الأطباء والممرضون وعمال النظافة كانوا يعتنون به كثيرا ويجلسون معه يتحدثون إليه كأنه يسمعهم، عامل مسلم كان مداوم على تلاوة القرآن له ويلقنه الصلاة وعند حضوره كان حال “شامس” يتغير، ولاحظ الطاقم الطبي بأن “شامس” ينتظر حضور ذلك العامل من خلال حركته الغير طبيعية في الموعد الذي يجمعهما معا.

لم يعد “خليل” إلى البيت بعد صلاة الفجر كعادته حاولت زوجته الاتصال به أكثر من مرة، ولكنه لا يرد عليها، بدأ القلق يساورها، كانت كثيرة الحركة داخل البيت تقف فترة طويلة على الباب الخارجي تراقب المارة في الشارع ربما يكون زوجها واحد منهم ولكن في كل مرة يخيب أملها وتدخل إلى البيت متأملة أن يفتح الباب وتراه يدخل عليها وترتاح نفسها، يمر الوقت بطيئا عليها وفي لحظة هناك طرقات على الباب، تركض إليه وفي داخلها تقول: أرجو أن يكون خيرا. تفتح الباب وترى رجلا لا تعرفه يلقي عليها السلام وتبادله هي كذلك، وتقول له: تفضل

– هل أنت زوجة “خليل”؟

– نعم، هل أصاب زوجي مكروها لا سمح الله؟

– لا، أريد أن أراه إذا كان موجود.

– الحمد لله رب العالمين، “خليل” خرج من البيت من صلاة الفجر ولم يعد حتى الآن، ولا أعرف متى يعود؟

– طيب، شكرا سوف أمر عليه مرة أخرى بإذن الله تعالى.

– أتريد أن أخبره شيئا عندما يعود؟

– لا، شكرا

تدخل إلى البيت، بعد أن تغلق الباب، وتظل تفكر في أمرين الأول زوجها الذي تأخر كثيرا والثاني ذلك الرجل الذي طرق الباب قبل قليل ورحل ولم تعرف منه شيئا وماذا يريد من “خليل”؟ هذا كله سوف يتلاشى عندما يعود “خليل” إلى البيت، ولكن متى هذا؟ تأخذ الهاتف مرة أخرى وتنظر إليه على أمل أن تجد ما يطمئنها على زوجها وهي تنظر تصل رسالة على الواتساب تفتحها مسرعة أنها من “خليل” تقرأها وبفرحة “الحمد لله رب العالمين، أنك بخير” قالتها في نفسها، تقف وتذهب إلى المطبخ تسخن الغداء استعدادا لعودة “خليل”.

يعود “خليل” إلى بيته وهو منهك القوى تظهر عليه علامات التعب وقد بذل جهدا من بداية يومه إلى الآن، أين كان؟ ماذا فعل؟ كل ذلك كانت “آمال” تتنظر لها إجابات، هل سيبوح “خليل” لها بشيء؟ تعودت منه دائما أن يعطيها فقط رؤوس أقلام أما الباقي يحتفظ به لنفسه. تتقدم “آمال” تحمل معها الغداء وتضعه أمام زوجها وتجلس بالقرب منه، وتقول له: تفضل أبو العيال. يقترب “خليل” بعد أن غسل يديه وغير ملابسه يبسم ويبدأ في الأكل، لم يتحدث بشيء خلال ذلك و”آمال” لم تسأله، فضلت أن يكون ذلك عندما تقدم له العصائر وقد ارتاح. تعود “آمال” بعد أن أنهت أعمال المطبخ وأحضرت معها كوبي العصير، تفضل زوجي الحبيب قالتها وهي تقدم له العصير، رفع رأسه مستغربا وأخذ العصير جلست وطرحت السؤال الأول: اليوم تأخرت أين ذهبت؟

– قصة طويلة صارت معي.

– كلي آذان صاغية، تعرف إنني أحب الاستماع إلى القصص وخاصة عندما تكون منك.

– بعد الصلاة تحدث مع أمام المسجد وأصحاب الرأي في الحي حول الوضع الذي يعيش به الأخوة الذين قدموا من أماكن مختلفة واستغلوا البيت المهجور في مدخل الحي ومحاولة البحث لهم عن مكان أفضل.

– ما شاء الله، في ميزان حسناتكم، وبعدين؟

– لما كنت أبحث في العلبة المعدنية الخاصة بمتعلقات “شامس” وجدت ورقة فيها…

– “لم تتركه يكمل كلامه” تقصد الورقة التي أخفيتها عني

– نعم، هي كانت تحوى مثل العنوان.

– ماذا تقصد؟

– يعني اسم قرية أو حي، لا أعرفه من قبل، سألت عنه والحمد لله توصلت إليه.

– أتظن أن “شامس” من هناك؟

– أغلب الأمر هكذا، فاحتفاظه به دليل على ذلك.

– طيب، ما دام “شامس” يعرف من أين هو، لماذا لم يعد إلى أهله.

– سوف أخبرك بكل هذا، ولكن ليس الآن.

– متى؟ أن في لهفة لمعرفة بقية القصة.

ينهض “خليل” الآن أنا متعب وسوف أرتاح وبعد صلاة العصر سأحكي لك القصة كلها، لا تستعجلي فهناك أمور كثيرة كانت غائبة عنا ولا نعرفها عن “شامس” تنظر إليه: سأجلس في مكاني حتى تعود من الصلاة بإذن الله تعالى.

– قبل الصلاة سأنام فمازال الوقت بعيدا على صلاة العصر.

– المهم سوف انتظرك، قبل لا أنسى، جاء رجل سأل عنك ورحل.

– من؟

– لا أعرف قال سوف يعود مرة أخرى.

يواصل طريقه إلى الغرفة، وهو يسأل نفسه من يكون هذا الرجل؟ وهل له علاقة بـ “شامس”؟ يدخل ويعتلي السرير ويضع اللحاف عليه ويغطي وجه ويخلد في نومه.

كان الشيخ “عمر” ومجموعة من أهل الحي قد ذهبوا إلى البيت القديم للاطلاع على أحوال القاطنين فيه ويبلغوهم بالقرار الذي اتخذوها من أجلهم، عندما وصلوا، نادى أحدهم على المجودين هناك فخرجوا من الغرف وتجمعوا في الفناء الخارجي للبيت، نظر إليهم الشيخ “عمر” وقدم لهم التحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أمام الجامع في الحي، وهؤلاء “يشير لمن معه” مجموعة من أهل الحي. تحدث أحدهم نيابة عنهم: أهلا وسهلا بكم، خيرا أن شاء الله!

– خير بإن الله تعالى، منذ فترة زاركم أحد أهل الحي اسمه “خليل” جاء يسأل عن زميلكم “شامس”

– نعم، لقد ألتقى بي وتحدثنا معا، “في ربكة وخوف” ماذا نقل لكم عني؟

– لم يقل عنك أو عن غيرك إلا كل الخير.

– بما أنه لم يقل شيئا عنا، فلماذا أنتم هنا؟ نحن لم نسبب أذى لأحد، نقيم هنا، وجدنا هذا المكان يقينا من حرارة الشمس وبرودة الليل.

– “يتقدم الشيخ من الرجل ويضع يده على كتفه حتى يهدئا” الأمر مختلف. يتقدم شخص أخر من الذين كانوا بمعية الشيخ “عمر” ويخاطب من كان هناك: “خليل” لما جاء إلى هنا ورأى الوضع الذي أنتم به، جلس معنا بعد صلاة الفجر وعرض علينا ذلك.

– بارك الله فيه.

– وقد أقترح علينا أن بحث لكم عن مكان آخر أفضل من هذا المكان، تنتقلون إليه لتعيشوا حياة أفضل.

– “يدور بعينيه في وجوه زملائه” نحن ننتقل منها!، إين ذهب؟

– أخذنا لكم بيتا آخر في الحي أفضل من هذا بكثير.

– أصوات القاطنين في المكان بينهم وهمسات متبادلة تتداخل مع الفرحة والسرور بهذا الخبر الذين يكن متوقعا قال أحدهم: هناك آخرون خارج البيت لابد من أخبارهم بهذا الأمر، ونطلب وقتا حتى نتشاور فيما بيننا. الشيخ “عمر”: هذا حقكم، ونحن ننتظر ردكم قريبا بإذن الله تعالى، فخروجكم من هذا البيت سعادة لنا قبل أن تكون فرحة لكم. بإذن الله سيكون ردنا قريبا ذلك ما قاله المتحدث عنهم من البداية، يخرج الشيخ “عمر” ومن معه لينتظروا ردهم للخطوة القادمة وهي اخراجهم من هنا إلى المكان الجديد.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى