
ظل “شامس” ممددا على ذلك السرير في غرفة العناية المركزة لا أحد يمر عليه ولا يسأل عن حاله، إلا “مروان” الذي صدمه كان يتردد عليه، وقد أنهى الإجراءات القانونية في مركز الشرطة وتحولت القضية إلى الجهات الرسمية وأخذت مسارها القانوني ،ولكنه من باب الإنسانية كان “مروان” يزور “شامس” في المستشفى، لم يتعود العاملون في المستشفى على ذلك فأغلب المرضى كان يأتي لهم الزائرون خلال فترة الزيارة حتى مرات الوقت لا يكفي لدخول الجميع لرؤية المريض فوقت الزيارة محدد وليس كوقت الزيارة في بقية الأقسام الداخلية المختلفة.
اليوم حدث شيء مختلف، جاء شخص للسؤال عن “شامس” وهذا أدخل السعادة والفرح على الجميع، عندما دخل ذلك الشاب إلى الغرفة التي كان بها “شامس” عاجلته الممرضة بسؤاله: هل تربطتك علاقة بهذا الرجل؟
– طبعا لا ” وكأن شيء من الربكة ظهرت عليه عندما رد عليها” لماذا تسألين؟
– لا شيء فقط منذ دخوله إلى المستشفى لم يمر عليه أحد، لذلك سألتك
هذه المرة لم يرد عليها بشيء فقط نظرة سريعة ثم تقدم إلى “شامس” ووضع يده على جبهته وكأنه يمسح عليه ويخفف له ألمه، مع أنه يعلم بأن ذلك الجسد لا يحس بما يدور حوله من أمور، ولكنه وصل في تحريك يده حتى وصلت إلى كف “شامس” وأشبك أصابعه بأصابعه وضغط عليها قليلا، كانت الممرضة تراقب ذلك الأمر من بعيد دون أن يراها ذلك الشاب الغامض، استمر فترة معه ثم هم بالمغادرة وقبل ذلك تقدم إلى الممرضة: هل هناك تقدم في حالته؟
– الأمل بالله كبير، وعلينا ان لا نيأس من كرمه تعالى.
– والنعم بالله، شكرا لكم
– هل تريد مني أن آخذ رقم هاتفك حتى نتواصل معك إذا حدث تطور في حالته في الأيام القادمة.
– ” وهو يتحرك هاربا منها” لا شكرا سوف أمر عليه مرة أخرى لأطمئن عليه.
– طيب!!!
يخرج الشاب من المستشفى والممرضة تظل في حيرة من أمره لم تستطع معرفة علاقته بـ “شامس” ولماذا رفض أن تأخذ رقم هاتفه، وتلك الربكة التي وقع فيها عندما سألته عن علاقته به، في نفسها قالت: ربما عندما يعود مرة أخرى يقول من هو وعلاقته به، هذا أن عادة مرة أخرى. الجملة الأخيرة قالتها وهي حزينة.
“خليل” مازال متمسكا بالأمل وأنه سوف يصل إلى حقيقة “شامس” وتلك الحقيقة ستكون صادمة للجميع فهو متأكد أن “شامس” ليس كما هو عليه، وقالها في نفسه، حتى لو لم يعد إلى رشده أو لا قدره توفي في المستشفى فأنا سوف أواصل بحثي حتى النهاية.
دخلت عليه زوجته وهي تحمل الشاي والحلا له وجلست بجواره وكعادتها تدخل الجد في المزاح: كيف شيرلوك هولمز ما وصلت لشيء؟ لم يرد عليها بشيء في بداية الأمر فقط أخذ منها قطعة من الكعك ووضعها الصحن الذي أمامه وأخذ كوب الشاي ووضع على الطاولة، نظر إلى قطعة الكعك ورفعها بيدها وقسمها أكثر من قسم وشرع في غمس القطعة الأولى في الشاي ورفعها ليدسها في فمه ويبدأ في مضغها بخفة وكأن يستمتع بذلك، أكل كل القطع ثم حسا ما بقي من الشاي في الكوب كل هذا وهو لا يتحدث وهي تنظر إليه، وضع الكوب ولعق أصابعه وقال: شكرا حبيبتي على الشاي والكعك كان رائعا.
ابتسمت هي فرحة: مازال هناك مثله هل أذهب وأحضر لك قطعة أخرى. لم يرد عليها ونهض من مكانه وقال لها: شيرلوك هولمز لديه شيء أهم. لم تكن تتوقع هذا الرد منه بعد ذلك الثناء الذي سمعته، ولكنها لم تستسلم ونهضت خلفه: إلى أين في هذا الوقت؟
– سوف أذهب لرؤية المكان الذي كان يقيم به “شامس”
– الآن الوقت ليل، الأفضل أن تذهب الصباح.
– الصباح أغلب من يقطنون في ذلك البيت يكونون في الخارج، وهذا الوقت هو الأنسب لزيارتهم فهم يعودون من السير في الطرقات للتسول والعمل في التحميل والتنزيل وغيرها.
– خذ معك أحدا، لا تدري ماذا يكون هناك
– لا تخافي علي، فأنا حريص على حماية نفسي كما أني لا أريد أن ألحق بهم أي أذى
– طيب، ربي يحفظك
يخرج “خليل” من بيته على أمل أن يجد خيطا يوصله إلى “شامس” كان الخط الأزرق لون الأمل الذي كتبه به السهم الأخير في خريطته الذهنية “زيارة المكان الذي كان “شامس” يقيم به خلال الفترة الماضية.
المسكن الذي كان يقيم فيه “شامس” مع مجموعة من المشردين يقع في بداية الحي بعيدا عن الناس مع ان العمران بدأ يتنامى حوله ويقترب رويدا رويدا مع مرور السنوات، القليل من أهل الحي دخلوه، ليس لهم به حاجة وهم يعرفون بأن من يقطنه مجموعة لا تجمعهم روابط معينة أنهم مجرد مشردون بحثوا في الحي عن مكان ليويهم ويقيهم من حرارة الشمس وقسوة الليل خلال أيام البرد فوجدوا ضالتهم فيه.
برجلين ثقيلتين يجرهما “خليل” ليصل ذلك البيت في العتمة، لا يرى شيئا إلا ضوء مصباح بسيط يظهر له من بعيد، يقترب أكثر ويحس بشيء من الخوف في داخله فالمنظر الذي أمامه يسبب له كل ذلك، يصل إلى باب نصفه مكسور ربط بجزء سلك كهرباء فيما تبقى منه، مع حركة الهواء يصدر أزيزا يغرق الآذان، يدفعه بيده ويحدث فرجة فيه يمكنه من دخول بهو البيت يقدم أحدى قدميها لا يدري أيهما ويدخل، فضاء البيت واسع ومجموعة من الغرفة المتناثرة فيه مع السور الذي يحيط بها وذلك المصباح في المنتصف علق على جذع شجرة ميته.
أدار “خليل” عينيه في المكان لعله يشاهد شيئا، هناك تحت الشجرة الجافة ظل ربما يكون لشخص، يجر قدميه محاولا الوصول إلى ذلك الظل في المكان الموحشة هذا، أخيرا يصل إلى المصباح ويجد ذلك الظل تحته ويلقي علية التحية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كلمات نطقها “خليل” تحية وكذلك دعاء بأن يحفظه الله بسلام وبركة منه، سمع صوتا من ذلك الظل يرد عليه التحية فأدخل ذلك إلى قلبه الاطمئنان واقترب منه أكثر، جلس “خليل” بجانب ذلك الرجل وقال له وهو يمد إليه يده ليصافحه: أنا ” خليل” من أهل الحي، أول مرة أدخل هذا المكان. ضحك الرجل دون أن يرفع رأسه وبعدها قال: ومن نحن حتى أحد يزورنا أو يسأل عنا، نحن لا يسأل عنا أحد.
– لا تقل ذلك، نحن أخوة نرجع إلى أصل واحد الأب آدم والأم حواء.
– كلام ومثاليات، ولكن الواقع مختلف، هناك الغني والفقير، من يسكن القصور ومن يسكن في الخرابات.
– لماذا هذه النظرة السوداوية للأمور؟ خلق الله البشر شعوبا وقبائل من أجل التعارف ويكمل كل منهم الآخر.
– دعك من هذا الكلام، وقل لي ماذا أقدم لك؟ أقصد بماذا أخدم؟
– الحقيقة جئت أسأل عن شخص كان يقيم معكم هنا.
– كثيرون من يقيمون هنا بعضهم يستمر به الحال وآخرون يرحلون بعد مدة ربما يجدون مكانا أفضل، من الشخص المسؤول عنه؟
– رجل يقال إن اسمه “شامس”
– “شامس” أيضا من الذين رحلوا فهو غائب منذ فترة ولم يعد إلى هنا، ابحث عنه في مكان آخر ربما في أحد الأزقة بالحي.
– أنا أعرف مكان “شامس”، وقع له حادث وهو الآن في المستشفى فاقد الوعي.
– أحسن له، من الأساس هو لا يعرف عن نفسه شيء.
– طيب، في أي الغرفة يقيم “شامس” ربما أجد شيئا من متعلقاته تساعدني، فأنا أحاول أبحث عن ذاته الثانية التي نجهلها.
– في تلك الغرفة، يشير إليه بيده يمكنني أن آخذك إليها. ولا أظن أنك تجد شيئا، عندما فقد وعيه كان خيرا له كما قلت لك سابقا.
يقف الرجل ويتبعه “خليل” وهو يمشى يحدث نفسه هذا الرجل ليس عاديا من حديث وكلماته الموزونة دليلان على أنه ذا ثقافة واطلاع، كما أن لديه قصة يريد أن يرويها، ولكن لم يجد الأذن التي تسمعه.
يواصلان السير في صمت مع الظلمة التي تخيم على المكان رغم كثرة القاطنين، ولكن هدوء المقابر يعم به لذا سأل “خليل” الرجل: أليس أحد هنا؟ وقف الرجل ونظر إليه وقال: الكثير، ولكن الكل يعود منهكا من اللف والدوران في الشوارع والعمل في الأسواق مجرد ما يصلون يمدون أجسامهم وينامون إلى الغد. يدفع باب الغرفة ويدخل وبعده “خليل” ويقول: هذه غرفة “شامس” وذاك هو المكان الذي كان ينام فيه، انتبه لمن هم نيام وابحث لنفسك طريقا تمر بينهم.
– لا تخف، سوف أعمل بنصيحتك.
– سأكون في انتظارك بالخارج، عسى تجد شيئا مما تبحث عنه ويكون عونا لك.
– هذا هو أملي.
يخرج الرجل، ويشق “خليل” طريقه يصوبه بين تلك الأرواح النائمة بسلام في ذلك المكان، مجرد بساط وشيء وضع تحت رؤوسهم المحظوظ من لديه وسادة ولحاف يستر به جسده، أخيرا يصل إلى فرشة “شامس” كان أفضل حالا منهم، فلديه منام ووسادة وغطاء فكان هو المرفه عن البقية، بحث “خليل” في أشيائه ولم يجد إلا علبة من حديد كانت لأحد منتجات العصائر وقد لفت بخرقة آخذها معه وخرج من الطريق الذي جاء منه، ويجد الرجل ينتظره بالخارج ويقول له: عساك وجدت شيئا؟
– لا شيء غير هذه العلبة، سآخذها معي.
– طيب، هي تريد مني مرافقتك إلى الخارج.
– حبا وكرامة هذا من دواعي سروري.
يسيران معا وقد دخل إلى نفس “خليل” بعض الاطمئنان والراحة بخلاف الوضع في السابق ليس هناك حديث بينهما وكأن كل منهما ينتظر الآخر لفتح باب للحديث، لم يستمر الصمت طويلا وكان “خليل” هو من وضع المفتاح في القفل حتى يفتحه فقال للرجل: كيف وصلت إلى هذا المكان؟ عذرا لتطفلي عليك. نظر إليه الرجل واقترب منه، هل لديك الوقت لتسمع قصتي؟ هذا الأمر شجع “خليل” وأقترب من الرجل وقال له: هيا بنا إلى المصباح حتى نجلس تحت ضوئه وهناك أسمع قصتك.

