غير مصنف

الباحث عن ذات الآخر -3

خلفان بن علي الرواحي

يبدأ “خليل” في رحلة البحث عن ذات الآخر “شامس” الغامض الذي لا يعرف له مرجع أو قرية أو عائلة، في ذاته يقول “خليل”: ليس من المعقول أن يكون نزل من السماء هكذا أو انشقت عنه الأرض لابد من وجود عائلة وأهل. ولكن لماذا لم يسألوا عنه طوال هذه الفترة؟ كثير من الأسئلة كانت تدور في ذهن “خليل” ولابد أن يجد له إجابات عاجلا أو آجلا.

يقف “خليل” خلال عودته من المستشفى بأحد المقاهي لأخذ شيء ليأكله فهو من الصباح على لحم بطنه كما يقال وسوف يأخذ كوبا من الشاي ويجلس في هدوء مع نفسه حتى يضع خطة لعملية البحث التي ينوى أن يقوم بها، يجلس على الطاولة ويطلب من النادل أن يقدم له فطيرة بيض مع الجبن وكوب شاي ومعهما قنينة ماء باردة، تناول قلمه ذا الألوان المتعددة وكتب باللون الأحمر ( رحلة البحث عن الآخر) في منتصف الورقة ورسم دائرة حول ما كتب ثم وضع علامة استفهام كبيرة وأطلق منها عدة أسهم باتجاهات مختلفة وكأنه يرسم خريطة ذهنية للخطوات التي سوف يقوم بها في هذه الرحلة، بالخط الأخضر كتب، الجلوس مع الشيخ “عمر” أمام الجامع وكتب أسفله بعض الأسئلة التي سوف يسأله إياها، وفي الجانب الآخر وضع باللون الأزرق زيارة المكان الذي كان يقيم فيه “شامس” خلال الفترة الماضية والسهم الأخير كتب باللون الأسود معرفة أهل الحي بـ”شامس” وماذا يقولون عنه. وفي نهاية الورقة كتب بالخط الأحمر مرة أخرى، كيف وصل ” شامس” لهذا المكان؟

دخل “خليل” إلى بيته واستقبله زوجته وقالت له: لقد تأخرت اليوم وهذا الأمر ليس من عوائدك، عسى السبب يكون خيرا!!!

  • ذهبت إلى المستشفى لرؤية “شامس”.
  • “نظرت إليه في استغراب” ومن يكون “شامس” هذا وما علاقتك به؟
  • “شامس” رجل يسكن في الحي الذي نحن فيه وليس لديه أحد واليوم صدمته سيارة وفقد الوعي وذهبت حتى أطمئن عليه.
  • أسأل الله له الصحة والعافية، عذرا تقولي ليس لديه أحد، هل هو مقطوع من شجرة؟
  • الواقع هذا أن “شامس” ليس له أقارب ولا نعرف من أين آتى؟ ولماذا؟ كل ما نعرفه أن اسمه “شامس” والواقع ربما يكون ليس اسمه، كما عرفت أهل الحي هم من أطلق عليه هذا الاسم.
  • قصته غريبة “شامس” قالتها زوجة “خليل” وهي تهم بالنهوض حتى تحضر له شيئا ليأكله، فيشير إليها بالجلوس معه، يخرج الورقة ويفتحها أمامها وتنظر إليها بعين جاحظة حتى تلم كل ما فيها، وبادرته بالسؤال: ماذا في هذه الورقة “خليل”؟
  • سوف أقوم بعملية بحث وتحري لكشف حقيقة “شامس”
  • ما شاء الله، وهي تضحك، سوف تكون المحقق “كونان”
  • صحيح، هناك أمر ما في حياة “شامس” وأنا لابد من كشفه.
  • يا زوجي، هناك جهات رسمية تقوم بهذا الدور، فلماذا تشغل نفسك بأمر ليس لك فيه دخل؟ دع الأمور لذوي الاختصاص.

لا ينتبه لكلامها وينهض من مكانه حاملا ورقته معه ويتمتم بكلمات غير مفهومة بداخلة كل ما وصل إليها مما قال، هذه مهمتي وسوف أقوم بها، الجهات الرسمية لا تهتم إلا في حالة الذهاب لها فمن أين تعرف “شامس” قال تلك العبارة وهو يدخل غرفته ويغلق على نفسه الباب، تصرخ عليه: ألا تريد شيئا لتأكله أنت لم تأكل شيئا من الصباح؟ يأتيها الرد من خلف الباب المغلق: لقد أكلت وأنا عائد من المستشفى.

أخذ “خليل” قسطا من الراحة وخرج من غرفته وقال لزوجته سوف أذهب إلى الجامع حتى ألتقي الشيخ “عمر” هناك أريد أن أسأله بعض الأسئلة عن “شامس” نظرت إليه زوجته ولم تعلق على كلامه فقط قالت له: كل التوفيق في مهمتك، وننتظر نتيجة التحريات في القريب العاجل. وهي تخفي ابتسامة صفراء خلف شفتيها خوفا أن تصل إلى عينيه ويكشف حقيقة تفكيرها فيه. يخرج “خليل” من بيته وهو يحمل الكثير من الآمال والطموحات سوف يبدأ في تحقيقها لحظة لقائه الشيخ “عمر” في طريقه يصادف أحد سكان الحي ويلقي عليه السلام ولا ينتظره حتى يرد وإنما يسارع بالسؤال: ما هي أخبار “شامس” في المستشفى؟

  • “شامس” فاقد الوعي ولا نعرف متى سوف يستعيده
  • نسأل الله له الصحة والعافية، مسكين “شامس” كل الأمور ضده، لا أسره ولا أهله ولا أحد يعرف عنه شيئا والحادث هذا أفقده وعيه.
  • قدر الله وما شاء فعل، عسى قريبا نعرف عنه شيء ونصل إلى أهله، أنت تعرف “شامس” من فترة طويلة.
  • نعم، “شامس” رجل طيب ولا يشكو منه أحد، دائما نجده في حاله، في النادر يخالط الناس ويجلس معهم ربما عندما كان يذهب للمسجد للصلاة يسلم على هذا وذاك.
  • طيب من خلال جلوسك معه، ألم تتوصل إلى شيء عن حياته.
  • هو لا يذكر شيء من حياته السابقة إطلاقا، من أين هو؟ ما اسمه؟ هل له أسرة أو لا؟ كل هذا لا يعرفه، حتى أنه لا يعرف كيف وصل إلى هذا الحي، بنفسه لديه هذا التساؤلات، ولكنه لم يصل إلى جواب.
  • ما أفهمه أن الجميع لا يعرف عن “شامس” شيئا.
  • أكيد، إذا كان هو لا يعرف عن نفسه شيئا، فكيف بالآخرين؟
  • ربما يقصد هو ذلك!!
  • لا أتوقع، لماذا يخفي حقيقته ويعيش هذه الحياة البائسة في بيت مع مجموعة من الأشخاص، “يهز رأسه نافيا ذلك” لا أظن.
  • طيب جزاك الله خيرا.

يتحرك “خليل” في طريقه لعله يجد لدى الشيخ “عمر” إجابات لأسئلته ولا يصطدم بالرد كما حدث في حواره مع الرجل، فما قاله ذلك الرجل سوف يقوله أي شخص يطرح عليه الأسئلة عن “شامس” بدون زيادة ولا نقصان وهذا أعطى “خليل” مؤشرا بأن لا يسأل أحدًا من الحي عن “شامس”، لذا أخرج الورقة من جيبه وحذف منها السهم الأخير الذي كتبه باللون الأسود معرفة أهل الحي بـ “شامس” وماذا يقولون عنه، ولم يبق لديه إلا لقاء الشيخ “عمر” وزيارة المكان الذي كان يقطنه “شامس”.

تعود الشيخ “عمر” الوصول إلى الجامع قبل رفع الأذان بفترة طويلة يجلس خلال ذلك يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم وأحيانا يرد على أسئلة الناس ويقضي حوائجهم فهو ليس إمام الجامع فقط وإنما مرجعًا لأهل الحي في كل ما يحدث معهم في حياتهم اليومية، وله في الجامع زاويته الخاصة التي لا يجلس بها أحد إلا نادرا ويكون فيها مصحفه وسبحته وبعض الكتب التي يقرأ منها الدروس بعد صلاة العصر، دخل “خليل” الجامع و سلم وأدى ركعتي تحية المسجد وبعدها تحرك إلى الشيخ “عمر” وسلم عليه وجلس بجواره، ترك الشيخ “عمر” ما كان يقوم به والتفت إلى “خليل” ورد عليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا “خليل” كيف حالك؟

  • الحمد لله رب العالمين، بخير وعافية، وأنت؟
  • الحمد لله في أحسن حال فضل من الله ومنة، طمني كيف حال “شامس” بلغني أنك كنت معه بعد الحادث.
  • الحمد لله بخير وعافية، هو الآن في غرفة العناية المركزة فاقد للوعي، ولا ندري متى يستعيد وعيه.
  • كله خير، تفضل ماذا تريد مني؟
  • أحسنت، الحقيقة أنا في حيرة من موضوع “شامس”، هل من المعقول أن يكون هناك شخص في هذا الوقت بدون بيانات شخصية؟
  • “يرفع إليه نظره” هذا هو الواقع، لا أحد يعرف عنه شيئا وكأنه خرج من بطن الأرض.
  • طيب، شيخ هل تذكر متى جاء إلى الحي؟
  • منذ سنوات، يقال إن أحدا وجده ملقا خارج الحي بمسافة وفي مكان مقطوع، ولكن لا تظهر عليه أية آثار لاعتداء حتى أنه لم يأخذه إلى المستشفى في ذلك الوقت.
  • ولم يكن معه ما يثبت شخصيته؟
  • لا أذكر أنه وجد معه شيئا يثبت ذلك، حتى أن الشخص الذي وجده فقد اطمئن على أنه بخير وليس به شيء وتركه يقول إنه عرض عليه الذهاب معه إلى بيته، ولكنه رفض.
  • وبعدها ماذا حدث؟
  • لا شيء، أصبح يتردد في طرقات الحي والناس تحسن عليه لأنه كان طيبًا وصاحب أخلاق فلم يشتك منه أحد.
  • هذا الكلام الجميع يردده، ويؤكد على حسن أخلاقه وطيب معدنه، أين كان يقضي يومه غالبا؟
  • النهار كان يجول في الحي ويأتي إلى الجامع ليؤدي الصلاة، وفي البداية كان لا يحسنها، ولكن حاولت جاهدا تعليمه والحمد لله بعدها أصبح يحافظ عليها، ولكنه لا يؤديها جماعة كان يصلي بنفسه في الفناء الخارجي للجامع، سألته مرة عن هذا فقال: أخاف أن أضايق الناس ملابسي ورائحتي، أما الليل فكان يقطن في بيت يجتمع به عدد من الاشخاص لا نعرف من أين هم ولماذا اختاروا هذا الحي.
  • فقط هذا ما تعرفه عنه؟
  • نعم، ليس هناك أمر آخر، ولكن أنت لماذا تسأل كل هذه الأسئلة؟
  • أحاول مساعدة “شامس” وأكشف سره.
  • ليس “شامس” وحسب هناك الكثير من الناس يعيشون بيننا، ولكن لا نعرف عنهم شيئا.
  • صحيح، ولكن أنا مهتم بموضوع “شامس” لا أدرى السبب، ولكن هناك شيئا يدفعني لابد أن أصل إلى الحقيقة.
  • طيب “خليل” اسأل الله لك التوفيق وإذا احتجت لأي شيء أنا موجود.
  • شكرا شيخ وبإذن الله تعالى سوف أطلعك على الأمور التي أصل إليها.

ينهض “خليل” مستأذنا من الشيخ “عمر” ليواصل رحلة بحثه، يخرج الورقة التي كانت معه ويدون بها بعض الملاحظات التي أخذها من حديثه مع الشيخ وينظر إلى السهم الأخير بالورقة الذي كتبه باللون الأزرق زيارة المكان الذي كان يقيم فيه “شامس” خلال الفترة الماضية، هذه الخطوة القادمة وعسى أجد فيها جديدا يوصلنا إليه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى