النصوص

الباحث عن ذات الآخر 2

خلفان بن علي بن خميس الرواحي

في طريق تحقيق الأحلام يسير “شامس” واثقا من نفسه بأن اليوم سيكون مختلفا عن الأيام السابقة وغدا يصبح يوم مولد ” شامس” آخر لم يكن موجودا. كل ذلك وهو يضغط على ورقته المالية على كفه حتى أنه أحس بتعرقه وهذا قد يفسدها وهي من الأساس رطبة لذا قرر أن يحررها قليلا ليجعل الهواء يدخل إليها ويزيل عنها تلك الرطوبة وتعود كما كانت،

يسير وكأنه أعمى لا يرى شيئا مما يحيط به ولكن عقله كله خطط وأحلام، لا يسمع أبواق السيارات التي تنبه مرات أو حتى أصوات المارة الذين يتحدثون إليه، من بعيد سيارة قادمة وهو يقطع الشارع لم ينتبه لها تصدمه ويسقط أرضا وتنفتح يده وتطير الورقة المالية، وهو ممدد على أسفلت الطريق يرنو إليها بعين حزينة ويحاول الصراخ عليها حتى تقف ولكنه يفشل، يجتمع الناس حوله وينزل صاحب السيارة وينظر إليه: سلامات، أرجو أن تكون أصابتك خفيفة ، لا بأس عليك، سوف آخذك إلى المستشفى. يرفع رأسه، ولكن لا ينظر إليه فعينه هناك معها هي.

يتعاون الجميع في رفع “شامس” إلى داخل السيارة، وأحدهم يقول: لابد أن تسرع به لأني أظن لديه ضربة في الرأس. الرجل من خلف المقود: بإذن الله تعالى، سوف تكون الأمور طيبة، ويحاول أن يتحدث إلى “شامس” حتى لا يفقد الوعي، وهو لا يجيب عليه فقط عينان تملؤها الدموع، ولكنها لا تغادرهما،

تتحرك السيارة والرجل يتحدث إلى “شامس”: لا تخف، سوف تصل إلى المستشفى وتتعالج وتعود إلى أسرتك بخير وعافية، صحيح لم تقل لي ما اسمك، أنا “مروان” لست من هذه المنطقة، كنت قادما لقضاء بعض الأمور، ينظر إليه من المرايا، حالته أصبحت ليست مثل ما كانت حتى عيناه أغلقهما، لقد فقد الوعي، يسرع في السير ليصل إلى المستشفى، يدخل إلى قسم الحوادث والطوارئ، كالعادة في مثل هذه الحالات في المستشفيات حركة والكل يبادر في أداء عمله.

أدخل “شامس” وتم عمل الفحوصات الأولية له، وحاول الأطباء أعادة الوعي إليه ولكنه لم يستجب لذلك، الأشعة التي أجريت له أظهرت سلامته من الكسور وغيرها ولكن لديه ضربة في مؤخرة الرأس، تلك الضربة أحدثت نزيفا وأدى إلى دخوله في غيبوبة.

يخرج الطبيب ويذهب إلى “مروان”: سوف ندخل الرجل إلى غرفة العمليات بعد قليل لإجراء عملية جراحية له في الرأس، ينظر ” مروان” إلى الطبيب ويقول له متسائلا: خيرا ماذا هناك؟ الطبيب: لديه ضربة في الرأس أدت إلى وجود نزيف وهذا أدى لفقده للوعي، سوف نحاول إخراج الدم من الرأس وبإذن الله خير لا تقلق.

ينصرف الطبيب وإثناء حركته: عذرا نحتاج بعض البيانات في قسم السجلات الطبية، فاذهب إليهم. في داخله يقول: أنا لا أعرف عن هذا الرجل أي شيء صدمته بالسيارة وأحضرته إلى المستشفى ولا أعرف عنه شيئا.

أثناء حديثه مع نفسه يدخل رجال الشرطة ويلقى أحدهم التحية على “مروان” ويقول له: أنت الذي تسبب في الحادث؟ يرد “مروان” نعم، ولكن هو من وقف أمام السيارة.

– كله خير، الآن كيف حالة الرجل؟

– فاقد للوعي وسوف يدخل لغرفة العمليات بعد قليل.

– طيب أخي، إذا ممكن الوثائق الخاصة بك، رخصة القيادة وملكية السيارة وبعد أن تنتهي من المستشفى تمر على المركز حتى نكمل بعض الإجراءات العادية. يخرج “مروان” الوثائق المطلوبة ويسلمها إلى الشرطي وينصرف.

ظل “مروان” في قاعة الانتظار بجوار غرفة العمليات حتى يخرج ذلك الرجل منها ويعرف النتيجة بعد العملية، تمر الدقائق بطيئة عليه وهو يراقب تلك الساعة المثبتة في الجدار الذي أمامه، يسند رأسه على الجدار خلفه ويغمض عينيه لعله يأخذ سنة من النوم، لم يكن يتوقع كل هذه الأحداث سوف تكون معه. كان هدفه قضاء بعض أعماله، ولكن القدر كان يخبئ أمرا آخر له.

خلال انتظاره يقبل عليه رجل لا يعرفه يلقي عليه السلام ويرد عليه بكل احترام وتقدير الرجل يمد يده ويصافح “مروان” ويقول له: أنا “خليل”، جئت اسأل عن “شامس” لا يفهم شيئا ولا يستطيع عن يرد إلا بقوله: من “شامس”؟

– الرجل الذي اصطدمت به الصباح

– نعم أنه في غرفة العمليات ولما يخرج بعد وأنا هنا في انتظاره، اسمه “شامس”؟! لأننا لم نجد ما يثبت شخصيته.

– نعم، هذا الاسم الذي أطلقناه عليه معنا، أما اسمه الحقيقي نحن لا نعرفه.

– اتقصد أن هذا الرجل ليس لديه أوراق رسمية مثل بطاقة شخصية أو جواز سفر يثبت شخصيته ومن يكون؟

– هذا هو الواقع، هو مجرد شخص يعيش في الحياة بلا عنوان أو عائلة ليس له أحد، والحقيقة أني أحاول خلال هذه الفترة أن أساعده في الوصول لأهله وذويه.

– بارك الله فيك

يقف “مروان” ويطلب من “خليل” أن يرافقه إلى السجلات الطبية حتى يخبرهم بالكلام الذي سمعه منه لأنهم ينتظرونه لإكمال عملية تسجيله، يصلان إلى مكتب السجلات الطبية ويتحدث “خليل” إلى الموظف الموجود هناك ويخبره بكل ما يعرف عن الرجل. حديث جانبي يدور بنهما وفي النهاية يقول له: طيب، سوف نسجله في النظام بهذا الاسم “شامس” ونقدر العمر ونضع له تاريخ ميلاد بناء على ذلك وبقية البيانات تظل فارغة.

يتحرك كل من “خليل” و”مروان” باتجاه غرفة العمليات، وهما بالطريق كانا يتحدثان حول “شامس” وقصته الغريبة والتعقيدات التي ستكون في أيامه القادمة، وهل سيظهر له أهل؟ وما الأسباب التي جعلتهم لا يبحثون عنه؟ مع أن الوسائل في الوقت الحاضر متاحة وبكل سهولة، لابد من وجود سر في حياة هذا الإنسان وحتما سوف أصل إليه هكذا رد “خليل” على “مروان”.

من بعيد يشاهدان باب غرفة العمليات يفتح ويخرج الطبيب مع بعض الممرضين خلفه، يسرعان إليه ومعا قالا كلمة واحدة: كيف حاله الآن، طمنا عليه. ينظر إليهما الطبيب ويقول: نحن أجرينا العملية والحمد لله استطعنا إخراج الدم من الرأس، والعملية تمت بنجاح، الشيء الذي نعرفه الآن بأنه فاقد الوعي ولا ندرى متى سوف يستعيده، لأن الضربة كانت قوية والدم المتجمع أثرت على الدماغ، فادعوا له بالعافية. يذهب الطبيب ومن معهم ويخرج “شامس” من غرفة العمليات ويدخل إلى غرفة العناية المركزة. كم ستستمر هذه الغيبوبة وبعدها كيف سيكون حالة ليس أمام “مروان” غير الانتظار لفترة قد تطول أو تقصر، ولكن “خليل” سوف يبدأ في عملية البحث عن ذات الآخر لعله يصل لشيء خلال هذه الفترة التي سيكون بها “شامس” في غيبوبته.

يخرجان معا كل يفكر في الأمر الذي يهتم به “مروان” موضوع إنهاء الإجراءات في مركز الشرطة وشركة التأمين والأمر الذي جاء من أجله في الأساس، و”خليل” في بحثه عن حقيقة “شامس” من أين يبدأ؟ وماذا سجد من مفاجئات تنتظره خلال هذا البحث؟ يودع كل منهما الآخر ويفترقان، ربما لن يتقيا مرة أخرى، وقد يكون عكس ذلك “مروان” لا يعرف أحدا يعرف ” شامس” إلا ذلك الرجل فقد يعود إليه مرة أخرى.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى