الثقافي

الباحث عن ذات الآخر- الأخيرة

خلفان بن علي الرواحي

ظلت “آمال” جالسة تنتظر أن يؤذن المؤذن لصلاة العصر، فقد كانت مستعجلة لسماع الأذان أكثر عن الأيام السابقة، تنظر إلى الساعة في معصمها وإلى الساعة الأخرى المعلقة على الجدار الذي أمامها، تحدث نفسها لقد “تأخر المؤذن اليوم أو أنه أذن وأنا لم أسمعه لا أعرف” ذلك الحديث كان يدور في ذهنها ليس مرة بل مرات، أخيراً سمعت الأذان، ونهضت مسرعةً كي توقظ زوجها من نومه فقد نام طويلاً، دخلت الغرفة ونادت عليه أكثر من مرة ولكنه لم يستجب، لم تنتظر طويلا تقدمت بخطوات ثابتة، وحركته بيدها بقوة، ليست عادتها السابقة، نهض مفزوعا : خيرا أن شاء الله ماذا حدث؟

– لا شيء، ولكن دخل وقت صلاة العصر، قم توضأ حتى تلحق على الجماعة.

– أنت تعرفين أنني لا أتأخر عن الجماعة والحمد لله.

– أعرف، قم كفاك نوما، الشيء الآخر لا تتأخر في المسجد، انتظرك حتى تحكي لي الحكاية.

– بإذن الله تعالى.

يقوم “خليل” من فراشه، ويدخل دورة المياه يتوضأ، ثم يخرج من بيته متجها إلى المسجد، في طريقه يصادف العديد من أهل الحي يقصدون المسجد لأداء الصلاة يسلم عليهم وتبادل معهم الحديث فهو بطبيعته اجتماعي ومحبوب من أهل حيّه. دخل المسجد مقدما رجله اليمنى ويردد الدعاء في سره “أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك”، لكنه لن يتمكن من أداء ركعتي تحية المسجد، يرى الشيخ “عمر” يشير إليه بيديه بأنه يرغب في الحديث معه بعد الصلاة، يهز “خليل” رأسه إشارة منه للشيخ بأنه فهم المقصود وسوف ينتظره عقب الصلاة.

رجع “خليل” إلى بيته، ووجد زوجته في انتظاره لم تتحرك من مكانها في لهفة لسماع قصة “شامس” منه، جلس بالقرب منها ونظر إليها بنظرة مختلفة جعلتها تقول له: ماذا ترى؟ كأنك أول مرة تراني، “تحرك يديها أمام عينيه حتى تلفت انتباه لها” كل ذلك لم يؤثر به، فقد كان “خليل” في مكان آخر رغم أنه جالس بالقرب من زوجته، لم يدم صمتها طويلا صرخت عليه: خليل ما بك منذ أن وصلت وجلست وأنت صامت لا تتحدث شارد الذهن.

– لا شيء، كنت أفكر في كلام الشيخ لي بالمسجد فقط.

– الآن دعك من كلام الشيخ في المسجد، واشبع فضولي أنا بالأمر الذي حدث معك أنت.

– كلا الأمرين مرتبطين.

– طيب، تكلم تعبت من كثر طلبي منك،” تخفض رأسها وكأنها زعلت” إذا كنت لا ترغب في الحديث، على راحتك.

– لما الزعل؟! سوف أخبرك القصة.

قبل أن يبدأ “خليل” في قص القصة على زوجته، يسمع طرقات على الباب، ينظر إليها: من عساه القادم إلينا في هذا الوقت؟!

– “تنهض”، سوف أذهب لأرى من الطارق، انتظرني.

تخرج من عنده، وتذهب حتى تفتح الباب وترى القادم إليهم، لم تتأخر كثيرا، تعود إليه: أنه نفس الرجل الذي زارك بالأمس جاء مرة أخرى، أرشدته لدخول المجلس.

– طيب، سوف أذهب إليه، وأنت أعدي لنا القهوة.

– تنظر إليه، لم يجد وقتا يأتي فيه إلا الحين، كنت متأملة أن أسمع الحكاية منك.

– لا تستعجلي، كل شيء في وقته جميل، سوف أذهب إلى الرجل.

– وأنا أحضر لكما القهوة.

يخرج “خليل” من عند “آمال” وفي ذهنه العديد من الأسئلة، من هذا الرجل؟ ماذا يريد مني؟ نفس الأسئلة طرحها على ذاته من قبل. يفتح باب المجلس ويسلم على الرجل، وهو بدوره يقف ويلتفت إليه ورد عليه السلام، “خليل” لم يصدق ما يرى، ولكنه حاول أن يخفى تلك الدهشة في داخله يتقدم منه، يصافحه، ويشير إليه بالجلوس.

حتى الآن لم يكن بينهما حديث مجرد نظرات متبادلة تحمل في طياتها العديد من الأسئلة أكثرها من “خليل”، هذا الرجل قابله في البيت الذي يقطن بها أولئك الأشخاص الذين قدموا إلى الحي، بعد أن تناولا القهوة، ينظر “خليل” إلى الرجل ويقول له: تفضل، بماذا أستطيع خدمتك؟

– الحقيقة الموضوع، “يسكت وكأن هناك شيء أوقفه”.

– قل ما في قلبك.

– هل عرفتني؟

– أكيد، التقيت بك من قبل، وتحدثتنا طويلا، واستمعت إلى قصتك، ويعلم الله أني لم أبح بها لأحد، وحفظت سرك وسأظل على العهد.

– لقد ذهب تفكيرك بعيدا جدا أخي “خليل” ما أنا قادم فيه إليك مختلف جدا وربما سيصدمك عندما تسمعه.

– “ينظر إليه بدهشة ولا يستطيع أن يتكلم يسكت برهة يفكر” لقد عشت خلال هذه الأيام كثيرا من الضغط النفسي، أهمها قضيتكم أنتم والأمر الآخر موضوع “شامس” في المستشفى والذي ظهرت فيه أمور كثيرة.

– “هنا فرح الرجل وكأنه رأى مخرجا لبداية الحديث مع “خليل”، الموضوع الذي أرغب الحديث به معك له علاقة قوية بـ “شامس” هذا

– يضحك “خليل” ويقول له: أخيرا عرفنا اسمه الحقيقي أنه “يعقوب”

– نعم “يعقوب” وسوف أقص عليك القصة.

يقترب الرجل ويبدأ في حديث طويل مع “خليل” وهو مصغ له لا يقاطع حديثه؛ لأن الكلمات التي تخرج من فيه لا تصدق، الاستغراب والدهشة يسيطران على “خليل” والأحداث التي يسمعها من الرجل، وكأنه يشاهد فلما من أنتاج السينما الهندية، أحداث لا تخطر على البال، ولكنها حدثت في الواقع.

أنهى الرجل حديث ولم يتفوه “خليل” بكلمة واحدة أكتفى فقط بتوديع الرجل على أمل أن يتواصل معه لاحقا، طلب منه مهلة حتى يدرس ما سمع ويحاول يكون منه نقاطا تزيل الغموض الذي هو فيه.

يرحل الرجل ويدخل “خليل” بيته وهناك “آمال” تنتظره حتى تسمع القصة فقد طال انتظارها، ولكنها شاهدت رجلا آخر دخل عليها ليس زوجها الذي خرج قبل لحظات من عندها، حاولت استيقافه حتى تسأله، ولكنه واصل السير دون أن يلتفت إليها.

لم يتأخر “خليل” في غرفته، خرج مسرعا بعد أن قام بتغير ملابسه، لم ينتبه لوجود “آمال” بالخارج وأنها تنتظره، تركها ورحل، وهي لم تفهم ماذا حدث لزوجها بعد صلاة العصر وماذا قال له الشيخ، وما الحديث الذي دار بينه وبين ذلك الرجل الذي زاره قبل قليل، حاولت أن تتغاضى عن كل شيء وتقوم بواجبها كزوجه، نهضت خلفة مودعة له، فقط طرحت عليه سؤالا واحدا: إلى أين أنت ذاهب الآن؟ دون أن يلتفت إليها رد قائلا: إلى المستشفى لزيارة “شامس” تعود وتغلق الباب خلفه وفي داخلها شيء من الضيق على الأمر الذي حدث من زوجها، ولكنها بذلت كل الجهد كي تخلق له عذرا.

في المستشفى كان وضع “شامس” مختلفا، فبعد المدة الطويلة التي قضاها هناك مستلقيا على ذلك السرير، وقد فقد الأطباء الأمل في تعافيه مجددا وعودته كما كان، ولكن مشيئة الله تعالى كانت فوق كل شيء، بدأت الحياة تعود إلى جسد “شامس” وبدأت الحياة تدب فيه من جديد، حركات بسيطة في الأطراف ومعها قدرة على الحديث وفي النهاية بدأ “شامس” الحركة القليلة داخل المستشفى. عم الفرح بالقسم الذي كان ينام به “شامس” ووصل الخبر لكل الأقسام وقد أقام الأطباء والممرضون وحتى العمال حفلة بمناسبة عودته إلى الحياة من جديد، كما أن إدارة المستشفى تواصلت مع الجهات الرسمية وأبلغتهم بتطورات حالة “شامس” حتى تستكمل إجراءات القضية وتغلق.

انتشر الخبر في الحيّ بأن حالة “شامس” تحسنت وسوف يخرج قريبا من المستشفى وقد قام الشيخ “عمر” بمرافقة “خليل” بزيارته كما أن “مروان” قام بذلك مباشرة بعد تواصل المستشفى معه. بقي شخص آخر لم يعرف عن هذا الموضوع فكان على “خليل” أن يوصل له الخبر فهو الشخص الوحيد الذي يجب أن يعرف هذا الخبر منه هو شخصيا أخرج الهاتف من جيب وضغط على قائمة الأسماء به واتصل بالشخص المطلوب انتظر قليلا ثم قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يصمت قليلا، رغبت أن أنقل لك خبرا مفرحا، لا تستعجل كل الأمور طيبة، لقد عاد “شامس” أقصد “يعقوب” إلى وعيه وهو بصحة وعافية، نعم سوف نكون معه بعد قليل حتى نخرجه من المستشفى، طيب نلتقي هناك.

وصل “شامس” إلى الحي وكان الجميع في انتظاره عند بيت الشيخ “عمر” بعد أن رحبوا به وشكروا الله على عودته بالسلامة معافا مشافا وتناولوا القهوة، طلب منه الشيخ الذهاب جميعا حتى يرتاح ويمكنهم زيارته مرة أخرى غدا. خرج الجميع من المجلس إلا “خليل” ومعه “مروان” وكذلك ذلك الرجل الذي يدعى “هيثم”. نظرات من “شامس” لمن بقي وربما يدور في ذهن لماذا هم فقط من ظل والبقية رحلوا، لم يصمت كثيرا فقال لهم: هل أعرفكم؟ هنا انصدم الجميع لقد كان يعرف الجميع، فقط “مروان” الشخص الجديد عليه، تقدم الشيخ “عمر” منه وقال له: هذا “خليل” ثم أشار إلى “هيثم” وهذا كنت تسكن معه طوال السنوات الماضية، أما هذا فهو “مروان” الذي صدمك بسيارته وحدث لك ما حدث، وأنا “عمر” أمام الجامع.

– عذرا أنا لا أعرف أحدا منكم، ولم آراكم من قبل.

– يتقدم منه “خليل” ما عليه الحين أنت طالع من المستشفى وبإذن الله تعود كما كنت وأفضل خلال الأيام القادمة.

يأخذ “خليل” الشيخ “عمر” و”مروان” على جنب مبتعدا عن “شامس” ويقرب إليه “هيثم” أكثر سوف نتركه يرتاح اليوم وغدا بإذن الله نتحدث إليه. وافق الكل على رأي “خليل” وافترقا على ذلك.

خرج “مروان” و”هيثم” من مجلس الشيخ “عمر” لذا استغل “خليل” الفرصة الحديث معه في موضوع كان يشغله ويريد أن ينقله إليه، ولكن ليس بالقرب من “شامس” مسك “خليل” يد الشيخ وجره إلى الخارج حتى يتحدث إليه، همس “خليل” في أذن الشيخ “عمر” أن حالة “شامس” تصنف على أنها فقد ذاكرة جزء، والله أعلم كم تستمر معه، ولكن يجب أن نخبر أهله بذلك ما دام توصلنا إليهم.

– كلامك صحيح، ولكن كيف نوصل إليهم الخبر.

– الحقيقة أن “شامس” من الأساس كان فاقد الذاكرة أو أنه كان يدعى ذلك.

– ماذا تقصد بكلامك هذا؟

– الشاب الذي كان معنا قبل قليل هو أحد أبناء قريته وقد تعرف عليه منذ البداية.

– من تقصد؟ هيثم!!

– نعم، هيثم، وقد قص لي قص “يعقوب” وخروجه من القرية.

– طيب، بما أن هيثم من قريته، لماذا لم يتعرف عليه؟

– هذا الأمر الغامض، هل حدث أمر له قبل أن يصل إلينا جعله يفقد ذاكرته وظهر بتلك الصورة أم أنه يتصنع ذلك، المهم الآن التقرير الطبي يؤكد بأن “شامس” فاقد للذاكرة جزئيا.

– قبل أن تذهب، قل لي قصة “يعقوب”.

– الواقع أن “يعقوب” رجل ثري وله أبناء وزوجة، ولكنه خرج من عندهم بعد أن تعب من معاملة أهله له.

– كيف ذلك؟

– “يعقوب” رغم ثرائه فقد كان شديد البخل وكان يقتر على أسرته كثيرا، ويحرمهم من كل شيء فكانوا يسيئون معاملته كثيرا، وفي يوم اتفقوا على حمله إلى مصحة الأمراض العقلية.

– لهذه الدرجة.

– نعم، ونفذوا ذلك، وأقنعوا الأطباء أنه مجنون ولابد من وضعه في المصحة لأنه يشكل خطرا عليهم، والغريب أن “يعقوب” واصل معهم اللعبة، ومن هنا أقتنع الأطباء بحالته وتم حجزه في المستشفى.

– طيب، كيف خرج منه.

– بعد ما أخبرني “هيثم” بالقصة ذهبت إلى المصحة وسألت عنه، فكان الرد أنه بعد فترة بسيطة بدأ “يعقوب” يتعافى وظهر عليه علامات العقل والرشد وتم إخراجه منها وهو بكامل قواه العقلية.

– طبعا ” يعقوب” لم يذهب إلى أهله بعد خروجه.

– صحيح، وماذا حدث له خلال فترة خروجه من المصحة حتى وصوله إلى الحي لا أحد يعرف إلا هو.

– سبحان الله هذه القصة غريبة وكأننا نشاهد فلما على شاشة التلفاز وليس واقعا نعيش فيه.

– هذه هي القصة كلها، ونحن الآن يجب علينا أن نأخذ “يعقوب” إلى أسرته، غدا نلتقي بإذن الله تعالى حتى ننفذ هذا الأمر.

بعد أن خرج “خليل” من عند الشيخ “عمر” يتجه إلى البيت بعد يوم طويل، يدخل ويجد زوجته في انتظاره كل العادة وهذه المرة لابد أن يقص لها الحكاية كلها، سلم عليها وطلب منها الجلوس معه، فجلست وأصغت إليه وقصّ القصة من البداية وحتى النهاية، وهي تستمع إليه ولا تقاطعه، وبعد أن أنهى حديثه قالت له: قصة غريبة، والحمد لله أنك في الأخير عرفت الجانب الآخر لـ “شامس”.

– الحمد لله وغدا بأذن الله تعالى سوف نذهب أنا والشيخ “عمر” ومن يكون معنا من أهل الحي ونصطحب “يعقوب” إلى أهله.

– أسأل الله تعالى لكم التوفيق وأن يكون هذا في ميزان حسناتكم.

يقف “خليل” مستأذنا من زوجته حتى يستريح قليلا فقد كان يومه شاقا ومجهدا وغدا سيكون أكثر حركة فلابد له من الاستعداد لذلك.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى