مقالات

الإنسان بين الذرّة والمجرة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

حين يتأمل الإنسان نفسه بصدق، يكتشف أنه أعجب المخلوقات تركيبًا، وأشدها دلالة على عظمة خالقه. فهذا الكائن الذي يمشي على الأرض في بساطة، هو في الحقيقة كونٌ صغير، جمع الله فيه بين ثلاثة مكوّنات كبرى: جسدٌ له حرية التصرّف، وعقلٌ له حرية التفكير والاختيار، وروحٌ سرٌّ إلهي لا يملك الإنسان عليها سلطانًا.

الجسد يعمل، والعقل يختار، أما الروح فهي أمرٌ من أمر الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

ولو دخلنا إلى أعماق هذا الجسد، لاكتشفنا عالماً آخر من العجائب؛ إذ يتكوّن جسم الإنسان من نحو ٣١ إلى ٣٨ تريليون خلية، تعمل في تناغم مذهل لا يكاد العقل يحيط بأسراره. وفي كل ثانية تموت ملايين الخلايا، وتولد ملايين أخرى لتحلّ محلها، وكأن الجسد مدينة هائلة تتجدد باستمرار.

غير أن هذا التجدد ليس فوضى عمياء، بل هو نظام دقيق يجري تحت سلطان الإرادة الإلهية؛ فلا خلية تموت، ولا أخرى تولد، إلا بعلم الله وإذنه. فالخلايا في حقيقتها كذرات التراب، لكل واحدة منها بصمة وشكل ونظام اهتزاز خاص، كما أن لأوراق الشجر والنمل وسائر المخلوقات بصمتها في علم الله. قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ… وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾.

ومن عجائب هذا البناء الإلهي أن خلايا الإنسان لا تعمل كلها في وقت واحد على النحو نفسه؛ فبعضها ينشط في النهار للحركة والسعي، وبعضها يشتغل ليلًا للإصلاح والترميم وإعادة التوازن. ومن هنا تظهر الحكمة العميقة في تعاقب الليل والنهار؛ فالنهار زمن السعي، والليل زمن السكون وإصلاح ما أجهدته حركة الحياة.

إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها.

لكن العجب الأعظم يظهر عندما يدرك الإنسان موقعه في الكون. فالأرض التي يقف عليها ليست ساكنة كما يظن، بل هي مركبة فضائية هائلة تدور حول نفسها بسرعة تقارب ١٦٦٧ كيلومترًا في الساعة، فينشأ من هذا الدوران الليل والنهار حسب موقع الإنسان على سطحها.

ثم إن هذه الأرض نفسها تدور حول الشمس، التي تبعد عنها نحو ١٥٠ مليون كيلومتر او اقل قليلاً ، وبسرعة تبلغ وتزيد عن ن١٠٧ آلاف كيلومتر في الساعة. ومع كل دورة كاملة حول الشمس يسقط من عمر الإنسان عام كامل، فينتقل من مرحلة إلى أخرى من مراحل حياته.

وليس هذا كل شيء؛ فالشمس نفسها، ومعها الكواكب كلها، تسافر عبر الفضاء في مجرة درب التبانة بسرعة تقارب ٨٣٠ ألف كيلومتر في الساعة، بينما تدور المجرة في الكون بسرعات هائلة تقترب من ملونين وثلاثمائة ألف كيلومتر في الساعة. ولهذا السبب كانت الجاذبية وحرارة الانسان والهواء الذي نتنفسه

وفوق ذلك كله يتسع الكون باستمرار اتساعًا مذهلًا، حتى يقدّر العلماء أن الكون يحتوي ما بين ٢٠٠ مليار إلى تريليوني مجرة، وما اكتشفه الإنسان حتى اليوم لا يتجاوز نحو خمسة في المئة فقط من هذا الكون العظيم، بينما تبقى أكثر من خمسة وتسعين في المئة من أسراره مجهولة.

هنا يقف العقل البشري مبهورًا.

فهذا الإنسان الذي يحتوي جسده تريليونات الخلايا، يعيش على كوكب يدور، داخل نظام شمسي مسافر، في مجرة هائلة، ضمن كون يكاد العقل يعجز عن تصور حدوده.

ومع ذلك كله، يقول الله للبشرية: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

إن هذه الحقيقة تقود القلب والعقل معًا إلى معنى عظيم:

أن علم الله يحيط بكل شيء، من الذرة إلى المجرة؛ من أصغر خلية في جسد الإنسان، إلى أعظم مجرة في أرجاء الكون.

وحين يدرك الإنسان ذلك، تتجلى أمامه كلمة التوحيد في معناها العميق:

الله أكبر.

أكبر من الذرّة، وأكبر من المجرة، وأكبر من كل ما يحيط به العقل من عظمة هذا الكون.

فسبحان الخالق الذي أبدع هذا النظام، وسبحان الحكيم الذي أحاط بكل شيء علمًا، وسبحان الكريم الذي ما عبدناه حق عبادته، ولا شكرناه حق شكره، ومع ذلك يغمرنا بفضله ورحمته.

سبحانك ربنا… سبحانك بعدد كل خلية في الكون كله ما حوله وبما حوى .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى