
كيف أهجو إبليس وأنا على لسانه أنطق؟! .. الحسن البصري
قال الفرزدق يوماً:
أن قلع الضرس أهون عليّ من أن أنظم بيتاً من الشعر!!
في رأيي المتواضع: الشعر لا ينظم، بل ينظم نفسه بنفسه. وأكاد أعتقد، بأن ليس هناك من يدعي قولاً: أستطيع أن أنظم الشعر متى ما أريد. لأن لحظات الإبداع مثل السكرة في حب الله، لا تمر على الإرادة الواعية، بل تتجاهلها ولا تعترف بناموسها، ويخطأ من يقول عكس ذلك؛ وللحقيقة عدة أوجه، هذه في تصورنا إحدى هذه الحقائق.
الإرادة الواعية كالنار لو اشتعلت في غير محلها سيكون ضررها كبيراً، ولا نبغي وقتها غير لطف الله ورحمته. وكلما أطعمنا النار حطباً ازدادت هوساً ولهيبا!، لكننا لا ننكر فائدة النار إذا استغلت بشكل صحيح ولأهداف مرسومة ومدروسة مع التحذير من مخاطر اللعب بها!..
كثيراً ما نسمع في أيامنا هذه من يهتف مهتاجاً فينا ويصرخ بقوة وكأنه قرص من نحلة دون سبب سوى رغبته في الصراخ:
ما دامت لي إرادة واعية فإني أفكر، فأنا إذن موجود، وما دمت موجوداً، أستطيع الإبداع وقت ما أشاء!، ثم يعود ليذكرنا بالجملة التي أصدع فيها رؤوسنا بها مثل عالم الدين( سامحه الله ) خاصة وأن الدين لا يتسامح مع العلم ولا يرضى بشريعته، وشريعة الدين( العقيدة ) ثابتة عكس المعرفة التي غالباً ما تكون متطورة كما لا يخفى، صائحاً: لأن لي إرادة واعية!.
ترى، ما هي الإرادة الواعية؟ وما دخلها( وسخن حمامها ) كما يقال لتزجّ نفسها جهلاً في موضوع الإبداع؟ وهل كل عليم فهيم؟ وهل كل فهيم عليم؟ وإذا كان المرء عليماً وفهيما، هل يتوجب عليه أن يكون حكيما كذلك؟!
غالباً ما نشعر بالعجز عندما يطلب منا شيئاً مباشراً، أو أن نحضّر أنفسنا ونلقن عقولنا ونشحن ذاكرتنا في مسائل نود أن نطرحها في مناسبة معينة، فيغيب عنا كل شيء ساعتها إلا رحمة الله!! لأن محاولة تلقين العقل والحفظ وطريقة التفكير الجبري غالباً ما تكون نهايتها سوداء بلون المسك وفاشلة. ويذكرنا هذا بموقف تناوله الناقلون عن جرير:
حيث يحكى بأنه كان يتمرغ بالرمل بعد أن يتخلى عن أعز ملابسه الساترة،.. بعدها يستطيع أن ينظم الشعر الذي يستعصى عليه في لحظات الإكبار والتسلط.
في حين قتل أرخميدس كما يقال لأنه كان في إحدى ساعات التأمل الطويلة عندما دخل عليه رسول الملك يستدعيه للمثول أمامه، لم يشعر بوجوده لحظتها، فانفعل الرسول واشتط غاضباً لأنه فسر ذلك أهانه وعدم رغبه أرخميدس في تلبية الدعوة فقتله بضربة واحدة بسيفه البتار!
بينما ترك بتهوفن ضيوفه في حديقة منزله وانعكف سارحاً في عالم لا علم لي به، وبعد أن طال بهم الزمان غادروه بعد أن نساهم، فلم يعلم من أمرهم شيئا!
لقد تناسى صاحبنا المتشدق بأن الإبداع هو عملية تزاوج بين فكرتين موجودتين من قبل أصلاً، وكل ما يفعله المبدع هو إظهارهما بحلة جديدة بعد أن يربط ويركب ويضيف ويؤلف في الفكرتين( القديمة والجديدة ) لتخرج بوهج يخطف الأبصار وكل هذا يحدث بغياب الإرادة ونوم الوعي، لأن لحظات الإبداع لا تنتج إلا عندما تكون الإرادة الواعية غافية، مستلقية في الظل، لتبدع دون رقابة من العقل أو إيعاز منه.
قبل أن أسلم أمري إلى الله أود أن أقول:
الإبداع فيض تلقائي بحت لا يخضع لسلطان الإرادة. وأي تدخل منها تفسد طلاسمه، عندها يتبخر سحره الإبداعي ويجعله ينطق بالمنطق، وهذه اللغة يجهلها المبدع في أسمى لحظات تجليه لرسم وتجسيد الجمال.


