منذ اللحظة التي بدأت فيها التعمق في هذه الرواية، شعرت بقوة الوفاء التي تجسّدت في إحدى شخصياتها البطلة، ورغم ترددي في البداية بسبب بعض التكرار في الكلمات، سرعان ما وجدت نفسي مأخوذًا بوهج التشويق والدهشة التي غلفت أحداث القصة الواقعية التي جرت في عُمان ،ما زاد من تأثير الرواية هو صدق كاتبها، عنبر المقبالي، الذي لم يدّعِ احتراف الكتابة، بل أراد فقط أن ينقل هذه القصة للعالم ليحفظها الزمن وتبقى شاهدة على أحداثها ،فبعض القصص الواقعية، رغم قسوتها، تمتلك سحرًا خاصًا يجعلها محفورة في الذاكرة.
تدور أحداث الرواية حول بطل يغادر قريته متجهًا إلى مدينة أخرى داخل وطنه، سعيًا لتحقيق حلمه الأكاديمي ،ورغم الفارق الكبير بين نمط الحياة في القرية والمدينة، يحاول التأقلم مع التحديات الجديدة، لكن القدر يتدخل بطريقة غير متوقعة، حيث يقوده حادث سير إلى لقاء استثنائي يغير مسار حياته، ليجمعه الحب في لحظة لم يكن يتوقعها.
ومع مرور الأيام، يجد نفسه غارقًا في أحلام تراوده كل ليلة، حيث تلاحقه ملامحها وكأنها قدر محتوم ،وبينما يظن أن الحب مجرد وهم يزوره في المنام، يفاجأ بأن الواقع يحمل له مفاجأة أجمل؛ إذ تتقاطع دروبهما مجددًا، ليجد قربها حقيقة لا مجرد حلم عابر ،حتى يأتي اليوم الذي يفاجأ فيه برؤيتها في الكلية التي يدرس فيها ، يحاول إيصال مشاعره العميقة إليها، فتفضحه نظراته الحادة المليئة بالشوق، لكنه يُصدم ببرودها ونفورها منه. يزداد حيرته وألمه، غير مدرك أن القدر يخبئ له لحظة كشف كبرى عندما تكتشف أنها كانت مدانة له بحياتها، فهو ذاته من أنقذها من الحادث المروع.
يتحمل معاناة جفائها بصبر، ويجد في الشعر ملاذه الوحيد، فيسكب مشاعره في قصائد جميلة تصل إليها رويدًا رويدًا، فتلامس قلبها وتجعلها تدرك صدق حبه ، ومع مرور الوقت، يكملان مسيرتهما التعليمية معًا، حتى يقررا أن يتوجا حبهما بالزواج ، لكن حكم الواقع كان أقسى من أحلامهما، إذ تقف القبلية وحواجز المجتمع بينهما. فتشتعل الصراعات وتأخذ الأحداث منحى مأساويًا، فتكون العواقب وخيمة، ويصبح حامد وحفصة ضحيتا قيود المجتمع التي لم ترحم حبهما.
سينخر سقم الحب في جسديهما ويضعف قواهما، لتتسع المسافة بينهما ويبتعد كل منهما عن الآخر ، لكن الحياة لم تترك لهما خيارًا سوى الاستسلام لحمل آلامها وكمدها ، ومع مرور الوقت، يشاء القدر أن يجمعهما من جديد، بعد أن أنهكتهما الأيام بما لا يطيقان ، إلا أن هذا اللقاء كان يحمل في طياته تراجيديا مؤلمة، حيث كانت النهاية قاسية، مثقلة بالحزن الذي لا مفر منه.
ما ذكرته هو مجرد تلخيص للرواية ، قد يراها البعض تفتقر إلى بعض التقنيات الكتابية المتقدمة، لكنها في النهاية استطاعت أن تصل بالقارئ إلى الهدف المنشود، هذه الرواية، رغم نقص بعض الأساليب الفنية، تمكّنت من إيصال عمق المشاعر التي عاشها البطلان، وحملت في طياتها تجربة إنسانية صادقة عند الغوص في سطورها، سيكتشف القارئ كيف أن الحب والمأساة يمكن أن يتشابكا بطريقة تجعل كل لحظة تنبض بالحياة وتترك أثرًا لا يُمحى في القلب، ومع كل تحدٍ، سيشعر القارئ بنبضات الواقع المؤلم، ولكن في ذات الوقت سيتعلم درسًا عن الصبر، الوفاء، وكيفية التعامل مع الفقدان في النهاية، تبقى الرواية أكثر من مجرد قصة؛ بل هي تجربة حياة يتجاوزها الزمن وتظل حية في الذكريات.




